الرئيسيةالرأيمقالات الرأيموازين القوى في العالم تتغيّر أسرع من قدرتنا على مواكبتها

موازين القوى في العالم تتغيّر أسرع من قدرتنا على مواكبتها

تتزاحم في العالم اليوم أزمات متعددة تتقدّم بسرعات مختلفة: من التنافس الجيوسياسي المتصاعد إلى اضطراب المناخ وصعود الذكاء الاصطناعي، مروراً بإعادة تشكّل موازين القوة الاقتصادية والديموغرافية. في هذا المقال الرأي، يرى سمير بلعطاش أن السؤال الحقيقي لم يعد من سيقود العالم، بل ما إذا كانت الإنسانية قادرة على التعاون في مواجهة مخاطر لا تعترف بالحدود.

لماذا هذا الطرح مهم: النقاش الدولي حول “من سيقود العالم” يهيمن على تغطية التنافس بين واشنطن وبكين، بينما تتقدّم في الخلفية تحولات أقل ضجيجاً لكنها أعمق أثراً، من صعود بريكس إلى سباق الذكاء الاصطناعي وتغيّر المناخ. فهم هذه التحولات مجتمعة، لا كل واحدة على حدة، هو ما يسمح بقراءة أدق لما ينتظر العالم العربي وأفريقيا في العقود المقبلة.

ثمة خلل واضح في الطريقة التي يرتب بها العالم أولوياته. الحروب تتمدد، والموازنات العسكرية ترتفع عاماً بعد عام، والتنافس على التكنولوجيا والموارد يشتد. وفي الوقت نفسه تتراكم تهديدات أخرى أقل بريقاً في نشرات الأخبار اليومية، لكنها أصعب احتواءً: اضطراب المناخ، والضغط المتزايد على المياه والغذاء، وتدهور الأنظمة البيئية، والتحولات الديموغرافية الكبرى، وذكاء اصطناعي تتقدم قدراته بوتيرة أسرع من القواعد التي يُفترض أن تضبطه.

ومع ذلك، لا يزال جزء كبير من النقاش الدولي يدور حول سؤال قديم: من سيقود العالم؟

هذا السؤال ليس بلا أهمية، لكنه لم يعد كافياً لفهم ما يجري فعلاً. فما نشهده ليس مجرد انتقال للقوة من الغرب إلى الشرق، ولا فصلاً جديداً من التنافس بين واشنطن وبكين. إنها تحولات كبرى متعددة تتقاطع في آن واحد: في الجغرافيا السياسية، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والديموغرافيا، والبيئة. وما زلنا في أحيان كثيرة نتعامل معها بردود فعل تنتمي إلى عالم آخذ في الزوال.

أمريكا تصطدم بحدود تفوقها التاريخي

أصبح الحديث عن أفول الولايات المتحدة تمريناً شائعاً بقدر ما هو مضلل. فالبلاد لا تزال تملك أكبر اقتصاد في العالم بالقيمة الاسمية، ويظل الدولار في قلب النظام المالي الدولي، بينما تحتل جامعاتها ومختبراتها وشركاتها مواقع حاسمة في التقنيات المتقدمة. كما تبقى قوتها العسكرية وشبكة تحالفاتها من دون منافس حقيقي.

لكن المشكلة الأمريكية الحقيقية تكمن في موضع آخر. انتهاء الحرب الباردة رسخ في واشنطن قناعة بأن وضعاً تاريخياً استثنائياً يمكن أن يتحول إلى وضع دائم. فانهيار الاتحاد السوفياتي ترك الولايات المتحدة من دون منافس عالمي حقيقي، وتحولت المحافظة على هذا التفوق تدريجياً من مجرد هدف إلى أحد المبادئ الناظمة للسياسة الخارجية الأمريكية. غير أن عالم 2026 لم يعد عالم 1991.

فالصين باتت قوة صناعية وتجارية وتكنولوجية من الطراز الأول، والهند تفرض تدريجياً وزنها الاقتصادي والديموغرافي، وتسعى قوى متوسطة أخرى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها بدل الانضواء الدائم تحت راية معسكر بعينه. وفي أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، ترى حكومات عديدة أن بإمكانها التعامل مع واشنطن وبكين وبروكسل وموسكو ونيودلهي وأنقرة في آن واحد من دون أن تُضطر إلى الاختيار بينها. قوة مهيمنة يمكن أن تتكيف مع تبدل موازين القوى، كما يمكنها أن تسعى إلى تأخير هذا التبدل. وفي هذا السيناريو الثاني بالذات يكمن جزء من الخطر الراهن.

فحين يختلط الدفاع عن مصالح مشروعة بالحفاظ على موقع مهيمن بات من الصعب تبريره، تميل السياسة الخارجية إلى مزيد من التشدد. وفي عالم تملك فيه عدة قوى السلاح النووي وتتكاثر فيه بؤر المواجهة، لم تعد هذه الصعوبة في قبول إعادة التوازن الدولي شأناً أمريكياً محضاً، بل أصبحت مسألة تتعلق بالأمن الجماعي.

بريكس ورفض الانصياع لمنطق المعسكر الواحد

صعود مجموعة بريكس وتكتلات أخرى تفلت من القيادة الغربية ينبغي أن يُقرأ في ضوء ما سبق. بالنسبة إلى جزء من دول الجنوب العالمي، لا تكمن أهمية هذه التكتلات بالضرورة في الانضمام إلى معسكر أيديولوجي جديد، بل في أمر أكثر واقعية: توفر أكثر من شريك دولي واحد. فالدولة القادرة على التجارة مع طرف، وتمويل بنيتها التحتية عبر طرف آخر، وتنويع شراكاتها التكنولوجية، والوصول إلى مصادر استثمار متعددة، تكسب تلقائياً هامش مناورة أوسع في المفاوضات.

قد يسهم هذا التوجه في إعادة التوازن إلى العلاقات الدولية. غير أنه سيكون من التسرع تحويل بريكس إلى وعد تلقائي بنظام عالمي أكثر عدلاً. فالصين تدافع عن مصالحها، والهند كذلك، وروسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا والأعضاء الجدد في المجموعة يفعلون الأمر ذاته. ولا شيء يوحي بأن عالماً متعدد الأقطاب سيلغي منطق موازين القوى. لذلك، فالسؤال الحقيقي ليس من سيخلف الولايات المتحدة في موقع الصدارة، بل ما إذا كان تعدد مراكز القرار سيتيح للدول الأقل قوة هامشاً أوسع للحفاظ على سيادتها.

وبالنسبة إلى العالم العربي وأفريقيا، الرهان كبير. فتغيير الشريك من دون تغيير الموقع داخل سلسلة القيمة العالمية لا يعدو كونه تبديلاً لشكل التبعية. وتصدير المواد الأولية نحو الشرق بدل الغرب، مقابل استيراد التكنولوجيا والمنتجات المصنعة لاحقاً، لا يشكل في حد ذاته تحرراً.

أفريقيا لم تعد قادرة على تحمّل دور خزان الموارد

ولعل أفريقيا هي المكان الذي سيتجسد فيه هذا السؤال بأحد أكثر أشكاله حسماً. فتعداد سكان القارة يُتوقع أن يقترب من 2.5 مليار نسمة بحلول منتصف القرن. ويعني هذا الرقم عملياً مئات الملايين من الشباب الذين سيحتاجون إلى مدارس وجامعات وفرص عمل ومساكن ووسائل نقل وكهرباء ومياه وأنظمة صحية. هذه الفئة الشابة يمكن أن تتحول إلى أحد المحركات الاقتصادية الرئيسية في القرن الحادي والعشرين، ويمكن أيضاً أن تشكل ضغطاً كبيراً على الدول العاجزة عن مواكبة هذا التحول.

وفي الوقت نفسه، تملك أفريقيا جزءاً من الموارد التي يحتاجها الاقتصاد العالمي الجديد: معادن لا غنى عنها لصناعة البطاريات والإلكترونيات، وطاقة شمسية استثنائية الإمكانات، وأراضٍ زراعية، وموارد طاقوية. لذلك، لن يتراجع التنافس الدولي على القارة، بل سيزداد اشتداداً. ومحاولة وقف هذا التنافس ستكون وهماً. فالرهان الفعلي هو تغيير شروطه. فاستخراج معدن أفريقي وتصنيعه في قارة أخرى، ثم بيع البطارية أو السيارة أو المعدة المصنوعة منه إلى أفريقيا، لا يعدو كونه استنساخاً لنمط اقتصادي قديم. والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد الرقمي: فامتلاك الكابلات والهوائيات والهواتف الذكية لا يكفي إن ظلت البيانات ومراكز الحوسبة والمنصات ومعظم القيمة المضافة خاضعة لسيطرة أطراف أخرى.

والمسؤولية تقع أيضاً على عاتق القادة الأفارقة أنفسهم، إذ لن يبني أي شريك خارجي بدلاً عنهم الأنظمة التعليمية والمؤسسات والصناعات والقدرات العلمية التي سيتوقف عليها استقلال القارة مستقبلاً.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى قضية سيادة وطنية

الثورة التكنولوجية تتقدم بوتيرة أسرع حتى من إعادة التوازن الجيوسياسي. ففي غضون سنوات قليلة، انتقل الذكاء الاصطناعي من موقع التقنية المتخصصة إلى موقع البنية الأساسية القادرة على تحويل العمل والتعليم والطب والبحث العلمي والإدارة والإعلام، وحتى الحرب. ومنافعه المحتملة هائلة: فهو قادر على رفع الإنتاجية، وتسريع البحث العلمي، وتحسين بعض التشخيصات الطبية، وترشيد شبكات الطاقة، وتيسير الوصول إلى المعرفة. لكن آثاره الاجتماعية والسياسية تبقى أقل وضوحاً بكثير.

فالتقنية القادرة على مضاعفة القدرات البشرية قادرة أيضاً على تركيز الثروة والنفوذ في أيدي عدد محدود من الشركات والدول. وبإمكانها أن تقلب ملايين الوظائف رأساً على عقب، وأن تحول التضليل الإعلامي إلى صناعة قائمة بذاتها، وأن تجعل المجتمعات أكثر ارتهاناً لبنى تحتية لا تملك السيطرة عليها. ويطرح إدماجه المتزايد في الأنظمة العسكرية إشكالية إضافية. فكلما توسع دور الخوارزميات في المراقبة وتحديد الأهداف والأنظمة الذاتية التشغيل وآليات الإنذار الاستراتيجي، ازداد القلق من تداخل الخطأ التقني مع القرار السياسي. ولم تعد السيادة، إذن، تُقاس بالكيلومترات المربعة وحدها.

من يملك مراكز البيانات؟ من يتحكم في أشباه الموصلات؟ من يملك الطاقة اللازمة للحوسبة؟ من يكوّن المهندسين؟ من يتحكم في البيانات المستخدمة لتدريب هذه الأنظمة؟ وستصبح هذه الأسئلة قريباً على القدر نفسه من الأهمية السياسية التي كان عليها النفط في القرن الماضي. ويخطئ العالم العربي وأفريقيا إن اعتبرا هذه الأسئلة نقاشاً محصوراً في القوى التكنولوجية الكبرى.

بينما تتصارع القوى الكبرى، يتغيّر وجه الكوكب

غير أن هناك حداً واحداً لن تستطيع التنافسات الجيوسياسية تجاوزه: حدود العالم المادي. فالحرائق والجفاف ودرجات الحرارة القصوى والفيضانات وتراجع الأنهار الجليدية واضطراب أنظمة الأمطار وتصاعد الضغط على المياه والزراعة، لم تعد أموراً تخص مستقبلاً مجرداً. ويستحق ارتفاع منسوب مياه البحار وحده أن يُصنَّف ضمن أولى قضايا الأمن الاستراتيجي. والعلم لا يستطيع اليوم تحديد موعد أي انهيار سريع محتمل لأجزاء من الغطاءين الجليديين الكبيرين. وتبقى السيناريوهات الأكثر تطرفاً محفوفة بقدر كبير من عدم اليقين. لكن هذا الغموض لا يشكل ضماناً بعدم الحدوث.

فعلى المدى الطويل، يحمل ذوبان الكتل الجليدية الضخمة في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية احتمال رفع مستوى سطح البحر بمقدار أمتار كاملة. وتحول كهذا سيغير بعمق ملامح السواحل التي يقطنها مئات ملايين البشر. الموانئ والمدن الساحلية الكبرى والدلتاوات الزراعية والبنى التحتية الصناعية والمياه الجوفية جميعها معرضة للتأثر، وهي تداعيات تتجاوز إلى حد بعيد نطاق السياسة البيئية وحدها. فهي تطال الغذاء والهجرة والمالية العامة وتنظيم الأراضي، لتصل تأثيراتها إلى استقرار الدول ذاتها على المدى البعيد.

لم يعد المناخ ملفاً من بين ملفات أخرى، بل أصبح عنصراً من عناصر الأمن.

هل نحصّن أنفسنا من التهديدات الصحيحة؟

ولعل هذه النقطة تختصر أحد أكثر تناقضات عصرنا إرباكاً. فالدول تنفق مبالغ ضخمة على الاستعداد العسكري لمواجهة نزاعات تأمل ألا تقع أصلاً، في حين يبقى استعدادها لمواجهة اضطرابات بعضها بدأ فعلاً غير كافٍ على الإطلاق. فخزان المياه بنية أمنية بامتياز، وكذلك الشبكة الكهربائية القادرة على الصمود. ونظام استشفائي قادر على امتصاص صدمة، وزراعة أقل هشاشة أمام الجفاف، ومدن مهيأة لموجات الحر القصوى، وجامعة تُخرّج علماء ومهندسين، كلها عناصر من عناصر السيادة.

فجيش حديث لن يحمي بلداً من انهيار موارده المائية، وطائرات مقاتلة لن تعوض غياب سياسة غذائية متماسكة. بل إن قوة نووية بحد ذاتها قد تكون عرضة لكارثة طبيعية، أو عطل كبير في شبكة الطاقة، أو تدمير بنيتها الرقمية. والمقصود هنا ليس إنكار ضرورة الدفاع، بل تحديد ما الذي نسعى فعلياً إلى الدفاع عنه.

عالم مترابط أكثر مما يسمح لأي طرف بالفوز منفرداً

ستستمر الولايات المتحدة في الدفاع عن مصالحها، وكذلك الصين، وروسيا، والهند، والأوروبيون، وسائر القوى الأخرى. ومن السذاجة انتظار أن تتخلى الدول عن استراتيجياتها الوطنية. غير أن بعض المخاطر تحمل اليوم خاصية واحدة: لا حدود قادرة على عزل أي بلد عنها بشكل دائم. فالمحيطات ليست أمريكية ولا صينية، والغلاف الجوي لا يتوقف عند الحدود الروسية أو الأوروبية. أما الأوبئة والأزمات المالية واضطراب المناخ أو تبعات تقنية يُساء التحكم بها، فتنتقل كلها عبر نظام عالمي شديد الترابط.

وقد تستمر المعركة على قيادة النظام الدولي عقوداً أخرى، بل قد لا تُفرز فائزاً على الإطلاق، لأن العالم الذي يتشكل أمامنا ربما لم يعد يتسع أصلاً لمركز واحد. وهذا ليس بالضرورة خبراً سيئاً. أما الفشل الحقيقي فهو أن تُستنزف العقود المقبلة في صراع على الهيمنة، بينما تتراكم مشكلات تتطلب بالتحديد قدرة على التعاون تفوق كل ما سبق. فالجنوب العالمي لا يحتاج إلى إمبراطورية جديدة تحل محل القديمة، بل يحتاج إلى امتلاك ما يكفي من القدرات كي لا يبقى تابعاً لأي منها.

وبالنسبة إلى أفريقيا، يمر ذلك عبر التعليم والصناعة والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. أما بالنسبة إلى العالم العربي، فيمر عبر إعادة بناء قدرة علمية وإنتاجية وتكنولوجية أُهملت طويلاً. وبالنسبة إلى القوى الكبرى، فيمر عبر قبول حقيقة يصعب تجاوزها: العالم أصبح أوسع وأعقد وأكثر ترابطاً من أن تتم إدارته بشكل دائم من عاصمة واحدة. فالبشرية تعرف كيف تُعدّل الكائنات الحية، وتبني آلات قادرة على التعلم، وتستكشف الفضاء، بل وتستطيع تدمير مدن بأكملها في دقائق معدودة. ومع ذلك، ما زالت تجد صعوبة في وضع القواعد الكفيلة بمنع هذه القدرات من الانقلاب عليها. شهدت القرون الماضية ولادة إمبراطوريات وهيمنتها ثم زوالها، ونجت البشرية من بعدها. لكن جدّة عصرنا تكمن في أمر آخر. فبين الترسانات النووية، واختلال التوازنات الطبيعية، وتقنيات ما زلنا نجهل تبعاتها الكاملة، لم يعد مضموناً أن يبقى، بعد بعض الأخطاء، طرف منتصر يكتب التاريخ.


ملاحظة هذا المقال يعبّر عن رأي كاتبه الشخصي، ولا يعكس بالضرورة الموقف التحريري لمجلة الاحرار.

سمير بلعطاش
كاتب مساهم / رأي
نشر ومراجعة: هيئة التحرير – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

هيئة التحرير
هيئة التحرير
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة