ما الذي يعيد تشكيل النظام الدولي؟

ما الذي يعيد تشكيل النظام الدولي؟ الملف الشامل للعلاقات الدولية والتوازنات الكبرى


1. مقدمة الملف

يشهد النظام الدولي، منذ مطلع سنة 2025، أعمق مرحلة إعادة تشكيل عرفها منذ نهاية الحرب الباردة. لم يعد التنافس الأمريكي الصيني مجرد خلاف تجاري، بل تحول إلى صراع بنيوي يطال أشباه الموصلات وتايوان والهيمنة التكنولوجية. ولم تعد الحرب الروسية الأوكرانية أزمة إقليمية، بل محركا أعاد رسم خريطة الإنفاق العسكري الأوروبي وتعريف مهمة حلف الناتو نفسه. وفي الوقت ذاته، فجرت حرب 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى أزمة في مضيق هرمز هزت أسواق الطاقة العالمية، بينما يواصل تجمع بريكس+ توسعه ليضم اليوم عشرة أعضاء كاملي العضوية وعشر دول شريكة، في مسعى معلن لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي بعيدا عن الغرب التقليدي.

يرصد هذا الملف هذه التحولات مجتمعة، ويشرح كيف تتقاطع الأزمات الكبرى، من حرب أوكرانيا إلى مضيق هرمز مرورا بالتنافس على تايوان وأزمة العقوبات الأوروبية على موسكو، في نسيج واحد يعيد صياغة قواعد اللعبة الدولية. كما يتوقف عند أزمة الشرعية التي يعيشها مجلس الأمن الدولي، المشلول بفيتوهات متكررة، وعند صعود ما تسميه الأدبيات الأكاديمية الحديثة بدول “التحوط” (Hedgers)، وهي دول الجنوب العالمي التي ترفض الانحياز الكامل لأي معسكر وتحافظ على هوامش مناورة واسعة.

ولأن هذا الملف موجه بالدرجة الأولى لقراء صحيفة الاحرار في الجزائر والمغرب العربي وأوساط الجالية الجزائرية في أوروبا، فإنه يولي عناية خاصة لموقع الدول العربية والأفريقية من هذه التحولات، ولمكانة الجزائر تحديدا بوصفها دولة محورية عند تقاطع أوروبا وأفريقيا والعالم العربي، تملك ورقة الطاقة لكنها تواجه في الآن ذاته تحديات داخلية وإقليمية تحد من هامش تحركها.

يجيب هذا الملف عن أسئلة محددة: لماذا تعطلت مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا مرارا؟ ما الذي يعنيه توسع بريكس+ للدول العربية والأفريقية؟ لماذا فشلت الحزمة الحادية والعشرون من عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا؟ وكيف تتموقع الجزائر بين انتمائها العربي والأفريقي وطموحها إلى الاستقلالية الاستراتيجية في عالم متعدد الأقطاب لكنه غير مستقر؟

2. لفهم الموضوع

السياق التاريخي

نشأ مصطلح “بريكس” سنة 2001 على يد الاقتصادي جيم أونيل من بنك الاستثمار غولدمان ساكس، بوصفه تصنيفا ماليا بحتا يجمع البرازيل وروسيا والهند والصين، قبل أن يتحول تدريجيا إلى تكتل جيوسياسي فعلي بعد أول قمة رسمية في روسيا سنة 2009. أما مجلس الأمن الدولي، فقد صمم سنة 1945 بخمسة أعضاء دائمين يملكون حق النقض، في هيكلية عكست موازين القوى الخارجة من الحرب العالمية الثانية، وهي الهيكلية ذاتها التي باتت اليوم، وبحسب اعتراف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نفسه، عاجزة عن مواكبة عالم تصاعدت فيه الاقتصادات الناشئة.

في المقابل، ارتبطت العلاقات الأمريكية الصينية طوال العقدين الماضيين بملف تايوان، الذي تعتبره بكين خطا أحمر لا يقبل المساس، بينما تحافظ واشنطن على سياسة “الغموض الاستراتيجي” حيال الدفاع عنها. أما الحرب الروسية على أوكرانيا، فقد اندلعت في فبراير 2022 وأدخلت أوروبا في أطول دورة تسلح عسكري منذ نهاية الحرب الباردة، مع مفاوضات سلام متقطعة تعثرت مرارا منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025.

المفاهيم الأساسية

يقوم فهم العلاقات الدولية الراهنة على عدد من المفاهيم المتشابكة. “التعددية القطبية” تصف عالما لم تعد فيه قوة واحدة قادرة على فرض إرادتها منفردة، في مقابل النظام الأحادي القطب الذي ساد بعد 1991. أما “فك الارتباط بالدولار” أو “de-dollarization”، فيشير إلى المساعي التي تقودها الصين وروسيا لتطوير آليات دفع بديلة، مثل مشروع “بريكس باي”، بهدف تقليص الاعتماد على العملة الأمريكية في التبادلات الدولية. ومفهوم “دول التحوط” الذي طوره الباحثان زكي العايدي وإيف تيبرجيان في كتابهما الصادر سنة 2026 عن جامعة كامبريدج، يصف ثماني دول، من بينها السعودية والإمارات وجنوب أفريقيا، تنتهج سياسة موازنة دقيقة بين واشنطن وبكين دون الانحياز الكامل لأي طرف.

في الجانب العسكري، يظل مفهوم “عبء الإنفاق الدفاعي”، أي نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي، مؤشرا مركزيا يستخدمه معهد ستوكهولم لأبحاث السلام “سيبري” لقياس التسلح العالمي، والذي بلغ 2.5 بالمئة سنة 2025، أعلى مستوى له منذ 2009.

الفاعلون الرئيسيون

تتصدر الولايات المتحدة والصين قائمة الفاعلين، بوصفهما القطبين اللذين يتمحور حولهما التنافس الاستراتيجي الأوسع، إلى جانب روسيا التي تحولت من قوة عظمى تقليدية إلى قوة معزولة اقتصاديا لكنها فاعلة عسكريا وسياسيا عبر علاقاتها مع الصين والهند وإيران. ويحتل الاتحاد الأوروبي موقعا معقدا، إذ يحاول فرض سياسة عقوبات موحدة تجاه موسكو بينما تعرقلها قاعدة الإجماع التي تمنح كل دولة عضو حق النقض، كما ظهر جليا في الأزمة التي عطلت الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات في يوليو 2026.

وتلعب دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية والإمارات وقطر، دورا متزايدا كفاعلين مستقلين نسبيا يوازنون بين علاقاتهم التقليدية مع واشنطن وشراكاتهم الاقتصادية المتنامية مع بكين. أما الأمم المتحدة، ممثلة في أمينها العام ورئيسة جمعيتها العامة الحالية أنالينا بيربوك، فتحاول لعب دور “المدافع الأخير” عن تعددية الأطراف في وقت تتقلص فيه ميزانيتها وتتراجع فيه ثقة الدول الكبرى بجدواها.

القضايا الراهنة

تتقاطع اليوم أربع أزمات كبرى تحدد ملامح النظام الدولي: التوتر حول تايوان الذي بلغ ذروته مع زيارة الرئيس الأمريكي إلى بكين في مايو 2026، وحرب أوكرانيا التي تعثرت مفاوضات إنهائها منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط أواخر فبراير 2026، وأزمة مضيق هرمز التي هزت إمدادات الطاقة العالمية طوال الربيع، وأزمة الشرعية داخل مجلس الأمن التي دفعت الصين ذاتها، خلال رئاستها الدورية للمجلس في مايو 2026، إلى الدعوة لنقاش علني حول إصلاح الميثاق الأممي. تضاف إلى ذلك أزمة السيولة المالية التي تعيشها الأمم المتحدة، مع إعلان واشنطن انسحابها من نحو ثلاثين كيانا أمميا مطلع 2026، في مؤشر إضافي على تراجع الالتزام الأمريكي بالمؤسسات المتعددة الأطراف التي أسستها بنفسها بعد 1945.

3. آخر التطورات

شهد شهرا يونيو ويوليو 2026 تسارعا لافتا في وتيرة الأحداث الدولية. فبعد توقيع الرئيسين الأمريكي والإيراني في 17 يونيو 2026 على مذكرة تفاهم تمنح مهلة ستين يوما لإنهاء النزاع رسميا بوساطة باكستانية، انهار وقف إطلاق النار من جديد في 9 يوليو مع تجدد الضربات في الخليج، وسط تقارير عن انقسام داخلي حاد في طهران بين مؤيدي التهدئة مع واشنطن ومعارضيها. في موازاة ذلك، عقد حلف الناتو قمته السادسة والثلاثين في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026، حيث جدد الحلفاء التزامهم برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035، وأعلنوا عن صفقات تسلح جديدة تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار.

وعلى الجبهة الأوكرانية، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في 13 يوليو 2026 تعديلا حكوميا لمواكبة “تحول في الاستراتيجية السياسية”، بينما صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في اليوم السابق، باستعداد بلاده لاستئناف المفاوضات مع الموفدين الأمريكيين فور انتهاء “المرحلة الحرجة” من الأزمة الإيرانية. وفي بروكسل، انهارت في 13 يوليو 2026 محاولة الاتحاد الأوروبي تمرير الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات ضد روسيا بعد اعتراض بلغاريا، في مؤشر على تصاعد الانقسامات الأوروبية حيال استمرارية سياسة العقوبات. أما على الساحة الأفريقية، فقد واصلت الجزائر في أواخر يونيو 2026 تفعيل دبلوماسيتها البرلمانية مع الدول العربية والأفريقية، في وقت لا تزال فيه علاقاتها مع دول تحالف الساحل، وتحديدا مالي، تشهد فتورا واضحا.

4. محاور الملف

4.1 المنافسة الأمريكية الصينية

تظل قضية تايوان الملف الأشد حساسية في العلاقة بين واشنطن وبكين. فقد حذر الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأمريكي دونالد ترامب، خلال زيارة الأخير التاريخية إلى بكين في مايو 2026، وهي أول زيارة رسمية لرئيس أمريكي إلى الصين منذ 2017، من أن الملف قد “يدفع العلاقة الثنائية بأكملها إلى وضع بالغ الخطورة” في حال أسيء التعامل معه. ورغم هذا التحذير، واصلت واشنطن دعمها العسكري لتايبيه، إذ استقبل الكونغرس الأمريكي في نهاية يونيو 2026 وفدا تشريعيا تايوانيا متعدد الأحزاب، بينما تجري تايوان تدريبات محاكاة لمواجهة سيناريو “حصار بحري” صيني محتمل.

في الجانب التجاري، رفعت الإدارة الأمريكية متوسط التعريفة الجمركية من 2.4 بالمئة إلى 9.6 بالمئة، وهو أعلى مستوى تسجله الولايات المتحدة منذ ثمانين عاما، بحسب دراسة اقتصادية قدمت في مؤتمر بروكينغز في مارس 2026. وقد شملت هذه الموجة الجمركية، المعروفة بـ”يوم التحرير” في أبريل 2025، أكثر من مئة وثمانين دولة، من بينها الجزائر التي فرضت عليها تعريفات إضافية تراوحت بين 20 و30 بالمئة. غير أن المحكمة العليا الأمريكية أبطلت جزءا من هذه الرسوم في فبراير 2026، ما دفع الإدارة إلى فرض تعريفة عالمية بديلة بلغت 15 بالمئة استنادا إلى صلاحيات قانونية أخرى. وفي المقابل، لا تزال بكين تستخدم ورقة فرض قيود على صادرات السلع الاستراتيجية الأمريكية، كما فعلت حين علقت شراء فول الصويا الأمريكي خلال 2025، وهو ما أرهق مزارعي الغرب الأوسط الأمريكي.

4.2 روسيا وأوروبا: من الحرب إلى المواجهة الممتدة

دخلت الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس دون أفق واضح لتسويتها. فقد شهد فبراير 2026 جولة مفاوضات جديدة في جنيف برعاية أمريكية، انتقد خلالها زيلينسكي ميل واشنطن إلى مناقشة “التنازلات” في سياق أوكراني حصري دون الطرف الروسي. وبعد هدنة عيد الفصح في أبريل 2026 التي شهدت تبادل 182 أسيرا أوكرانيا، تعطلت جهود الوساطة الأمريكية كليا مع اندلاع حرب الشرق الأوسط أواخر فبراير 2026، إذ تحول تركيز الإدارة الأمريكية نحو أزمة إيران ومضيق هرمز.

وفي الأسبوع الذي سبق قمة الناتو في أنقرة، أعلن ترامب أن كييف ستحصل على ترخيص لتصنيع صواريخ باتريوت محليا، فيما أكد بوتين، في مقابلة صحفية بثت في 12 يوليو 2026، استعداد موسكو لاستئناف المحادثات مع واشنطن بمجرد انتهاء “المرحلة الحرجة” من الأزمة الإيرانية، في إشارة إلى تشابك الملفين في الحسابات الروسية. وفي المقابل، سعت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا إلى الدفع نحو تجميد خطوط المواجهة الحالية مقابل ضمانات أمنية موثوقة لأوكرانيا، عبر عرض سيقدم لترامب في قمة مجموعة السبع.

أما على صعيد العقوبات، فقد أصدر الاتحاد الأوروبي منذ 2022 عشرين حزمة عقوبات متتالية ضد روسيا، تضمنت تجميد نحو 300 مليار يورو من احتياطيات البنك المركزي الروسي، وهو ما يعتبره اقتصاديون، مثل الروسي ديمتري نيكراسوف، الإجراء الأكثر فاعلية لأنه يعادل تقريبا الإنفاق العسكري الروسي كاملا بين 2022 و2024. غير أن الحزمة الحادية والعشرين، التي كان يفترض أن تشدد سقف أسعار النفط الروسي إلى 44 دولارا للبرميل، اصطدمت في 13 يوليو 2026 بفيتو بلغاري احتجاجا على إدراج مؤسس شركة “لوك أويل” ضمن قائمة العقوبات، بعد أن حصلت تسع دول أعضاء على استثناءات تخص النفط والأسماك الروسية، ما أفرغ الحزمة من مضمونها الفعلي.

4.3 الأمم المتحدة والمؤسسات المتعددة الأطراف

يعيش مجلس الأمن الدولي أزمة شرعية متصاعدة. فقد تعددت حالات استخدام حق النقض خلال 2025 لعرقلة أي تحرك جماعي بشأن غزة وأوكرانيا، في وقت لا يمثل فيه الأعضاء الخمسة الدائمون سوى أقلية من سكان العالم. وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها الرمزية حين ترأست الصين أعمال مجلس الأمن في مايو 2026، ودعت في 22 من الشهر ذاته إلى جلسة نقاش علنية حول الدفاع عن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، حذر خلالها وزير الخارجية الصيني وانغ يي من تصاعد المخاطر التي يواجهها النظام الدولي القائم على الأمم المتحدة، بينما حذر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من تآكل القانون الدولي وتفاقم انعدام الثقة بين الدول الكبرى.

وتفاقم هذه الأزمة السياسية أزمة مالية غير مسبوقة، إذ تواجه المنظمة الأممية عجزا في السيولة دفعها إلى خفض عدد من عملياتها، في وقت أعلنت فيه واشنطن انسحابها من نحو ثلاثين كيانا أمميا مطلع 2026. وقد لخصت رئيسة الجمعية العامة أنالينا بيربوك هذا المشهد بقولها إن التعددية “لا تتعرض للضغط فحسب، بل تتعرض للهجوم”، داعية إلى ترشيد هيكلي “بمقص لا بمنشار”، في إشارة إلى ضرورة الإصلاح الحذر بدل التفكيك الكامل. وتزيد من تعقيد المشهد فكرة طرحها ترامب نفسه بإنشاء “مجلس سلام” بديل قد يزاحم مجلس الأمن في أداء وظيفته الأساسية، وهو ما يعكس تراجع الثقة الأمريكية في الأطر المتعددة الأطراف التي أسستها واشنطن بنفسها بعد الحرب العالمية الثانية.

4.4 العقوبات الدولية

تحولت العقوبات إلى الأداة الأثيرة للسياسة الخارجية الغربية، لكن فعاليتها باتت موضع جدل متزايد. فبينما تشير بيانات المجلس الأوروبي إلى أن سقف أسعار النفط والعقوبات المرتبطة بالطاقة قلصت عائدات روسيا النفطية والغازية بنسبة تقارب 80 بالمئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، فإن روسيا نجحت في تطوير “أسطول ظل” من الناقلات لتفادي هذه القيود، وأعادت توجيه صادراتها النفطية نحو الهند والصين وتركيا. وقد أعلنت المفوضية الأوروبية في وثيقة صادرة في يناير 2026 عزمها إنهاء جميع واردات النفط الروسي المتبقية بحلول نهاية 2027، تماشيا مع إعلان فرساي، مع تقديم اقتراح تشريعي مطلع 2026 لتسريع هذا الجدول الزمني.

غير أن قاعدة الإجماع التي يقوم عليها اتخاذ القرار الأوروبي في ملف العقوبات تحولت إلى نقطة ضعف بنيوية، كما كشفت أزمة الحزمة الحادية والعشرين في يوليو 2026، حين استخدمت بلغاريا حق النقض بمفردها لعرقلة قرار تدعمه ست وعشرون دولة أخرى، في تكرار للسابقة المجرية سنة 2022 حين استخدم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الفيتو ذاته. وتضع هذه الثغرة موسكو في موقع يمكنها فيه المراهنة على استمرار الانقسامات الداخلية للاتحاد الأوروبي كل ستة أشهر، عوض مواجهة سياسة عقوبات موحدة وصارمة.

4.5 الدبلوماسية الاقتصادية والتحالفات الجديدة

يمثل تجمع بريكس+ أبرز محاولات إعادة هيكلة النظام الاقتصادي العالمي خارج المؤسسات الغربية التقليدية. فبعد أن انضمت مصر والإمارات وإثيوبيا وإيران رسميا مطلع 2024، ثم إندونيسيا خلال قمة ريو دي جانيرو في يوليو 2025، بات التجمع يضم عشر دول كاملة العضوية وعشر دول شريكة، من بينها بيلاروسيا وكوبا وكازاخستان ونيجيريا وماليزيا وتايلاند، ليمثل بذلك 51 بالمئة من سكان العالم و40.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفق معيار القوة الشرائية، متجاوزا بذلك مجموعة السبع. وتعمل الصين وروسيا على تعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية بدل الدولار، عبر مشروع “بريكس باي” الذي دخل مرحلة الاختبار التجريبي قبيل 2026، رغم أن أثره الفعلي على النظام المالي العالمي يبقى هامشيا حتى الآن.

في المقابل، يواصل حلف الناتو توسيع إنفاقه العسكري بشكل غير مسبوق، بعد أن أقر حلفاء أوروبيون وكنديون زيادة بلغت 139 مليار دولار في نفقاتهم الدفاعية سنة 2025 وحدها، واتجهوا في قمة أنقرة إلى تخصيص أكثر من 50 مليار دولار لصفقات تسليح جديدة. وقد برزت بولندا كأكثر الأعضاء إنفاقا نسبيا بمعدل 4.3 بالمئة من ناتجها المحلي، تليها دول البلطيق والدول الاسكندنافية بمعدل يتراوح بين 3 و4 بالمئة، بينما تتموقع تركيا كثاني أكبر جيش داخل الحلف بقوام يبلغ 355 ألف جندي.

أما في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، فقد وثق الباحثان زكي العايدي وإيف تيبرجيان في كتابهما الصادر سنة 2026 ظهور ما يسمى بـ”دول التحوط”، وهي ثماني دول من بينها السعودية والهند وإندونيسيا وفيتنام والبرازيل وجنوب أفريقيا والإمارات وقطر، تسعى إلى تقليص اعتمادها التجاري على الولايات المتحدة مع تعزيز شراكاتها مع الصين، دون الانحياز الكامل لأي معسكر. وتبرز السعودية مثالا لافتا على هذا التحول، إذ تراجعت حصة صادراتها نحو السوق الأمريكي من 24 بالمئة سنة 1990 إلى 4 بالمئة فقط سنة 2024.

4.6 مواقع الدول العربية والأفريقية

تجد الدول العربية والأفريقية نفسها اليوم أمام فرصة نادرة لتوسيع هامش مناورتها الاستراتيجية في عالم متعدد الأقطاب، لكنها فرصة محفوفة بمخاطر لا تقل حدة. فقد اختارت الجزائر، وفاء لعقيدتها الدبلوماسية المتجذرة في حركة عدم الانحياز منذ الستينيات، دعم فتح نقاش أممي عاجل حول الحصار الأمريكي المفروض على كوبا، إلى جانب 136 دولة أخرى، في مقابل اصطفاف المغرب مع الموقف الأمريكي في التصويت ذاته، وهو ما يعكس انقساما متزايدا في المقاربات الدبلوماسية المغاربية تجاه النظام الدولي الجديد.

وتراهن الجزائر على موقعها الجغرافي الفريد عند ملتقى أوروبا وأفريقيا والعالم العربي، مدعومة بثرواتها الطاقية التي تجعلها شريكا محوريا لأوروبا في مجال الغاز، وبجيش يعد من الأقوى في القارة الأفريقية. وقد أكد رئيس مجلس الأمة عزوز نصري، في أواخر يونيو 2026، أن الانتماء المزدوج العربي والأفريقي للجزائر يشكل “رافعة استراتيجية للإشعاع الإقليمي والدولي”، داعيا إلى تعزيز التقارب العربي الأفريقي في مواجهة التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها العالم. غير أن محللين، من بينهم حسني عبيدي، يشيرون إلى أن السياسة الخارجية الجزائرية تعرف حدودا واضحة، تجلت في الرفض شبه المهين الذي واجهته الجزائر من روسيا نفسها، الحليف التاريخي ومورد السلاح الرئيسي، حين تقدمت بطلب الانضمام إلى بريكس سنة 2023.

وتضاف إلى هذا المشهد أزمة الساحل، حيث يشهد الدور الجزائري التاريخي في المجال الصحراوي الساحلي تراجعا لافتا منذ خروج مالي والنيجر وبوركينافاسو رسميا من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في يناير 2025 وتأسيسها تحالف دول الساحل. فرغم محاولات الجزائر إعادة تفعيل دبلوماسيتها تجاه المنطقة مطلع 2026، لا تزال باماكو تتهم الجزائر بالتدخل في شمال مالي وبعلاقات ملتبسة مع جماعات مسلحة، وترفض السلطات المالية أي عودة وشيكة لسفيرها إلى الجزائر العاصمة. ويرى باحثون اقتصاديون أن تحويل هذه الفرصة الجيوستراتيجية إلى استقلالية استراتيجية دائمة يستلزم إصلاحات داخلية عميقة تتجاوز الاعتماد الريعي على المحروقات، نحو نمو مبني على الإنتاجية والتحول التكنولوجي الانتقائي.

5. أرقام أساسية

  • 2,887 مليار دولار: الإنفاق العسكري العالمي لسنة 2025، بزيادة 2.9 بالمئة، وهو الرقم القياسي الحادي عشر على التوالي (معهد سيبري، أبريل 2026).
  • 51 بالمئة: حصة الولايات المتحدة والصين وروسيا مجتمعة من الإنفاق العسكري العالمي، أي 1,480 مليار دولار (معهد سيبري).
  • 2.5 بالمئة: عبء الإنفاق العسكري العالمي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، الأعلى منذ 2009 (معهد سيبري).
  • 5 بالمئة: هدف حلف الناتو للإنفاق الدفاعي بحلول 2035، أقر في قمة لاهاي 2025 وأكد في قمة أنقرة يوليو 2026 (الناتو).
  • 70 مليار يورو: الدعم العسكري المرتقب من حلفاء الناتو لأوكرانيا خلال 2026 (قمة أنقرة، يوليو 2026).
  • 9.6 بالمئة: متوسط التعريفة الجمركية الأمريكية بعد سياسة ترامب التجارية، مقابل 2.4 بالمئة سابقا، وهو الأعلى منذ 80 عاما (دراسة Fajgelbaum & Khandelwal، مارس 2026).
  • 40.4 بالمئة: حصة بريكس+ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمعيار القوة الشرائية، متجاوزة مجموعة السبع (2025).
  • 51 بالمئة: نسبة سكان العالم الذين يمثلهم تجمع بريكس+ بأعضائه العشرة الكاملين وشركائه العشرة (2025).
  • 80 بالمئة: نسبة تراجع عائدات روسيا النفطية والغازية منذ سقف الأسعار الأوروبي مقارنة بمستويات ما قبل الحرب (المجلس الأوروبي).
  • 300 مليار يورو: احتياطيات البنك المركزي الروسي المجمدة في الدول الغربية منذ 2022.
  • 25 بالمئة و20 بالمئة: حصة مضيق هرمز من تجارة النفط البحرية العالمية ومن تجارة الغاز الطبيعي المسال قبل أزمة 2026 على التوالي.
  • 12: عدد البحارة الذين قتلوا أو فقدوا خلال أزمة مضيق هرمز 2026، إلى جانب إغراق قاطرة وتضرر أكثر من 17 سفينة تجارية.
  • 60 يوما: المهلة المحددة في مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الموقعة في 17 يونيو 2026 لإنهاء النزاع رسميا.
  • 355 ألف جندي: قوام الجيش التركي، ثاني أكبر جيش داخل حلف الناتو بعد الجيش الأمريكي.

6. كيف وصلنا إلى هنا؟

يناير 2025: تنصيب دونالد ترامب لولاية رئاسية ثانية، وانطلاق سياسة جمركية تصادمية تجاه أغلب شركاء الولايات المتحدة التجاريين.

2 أبريل 2025: إعلان “يوم التحرير”، وفرض تعريفات جمركية تصادلية شملت أكثر من 180 دولة ومنطقة، من بينها الجزائر.

28 يناير 2025: خروج مالي والنيجر وبوركينافاسو رسميا من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، بعد إعلانهم عن هذا التوجه في يناير 2023.

6 و7 يوليو 2025: القمة السابعة عشرة لبريكس في ريو دي جانيرو برئاسة البرازيل، وانضمام إندونيسيا رسميا للتجمع.

28 فبراير 2026: اندلاع حرب 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في ضربات شملت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، تلاها إغلاق إيران لمضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.

19 مارس حتى 8 أبريل 2026: حملة جوية أمريكية إسرائيلية لإعادة فتح المضيق، وحصار بحري أمريكي للموانئ الإيرانية استمر حتى 29 مايو.

7 و8 أبريل 2026: توصل واشنطن وطهران إلى وقف إطلاق نار مؤقت شمل إعادة فتح المضيق جزئيا للملاحة التجارية.

11 أبريل 2026: هدنة عيد الفصح الأرثوذكسي بين روسيا وأوكرانيا، وتبادل 182 أسيرا أوكرانيا.

27 و28 أبريل 2026: نشر معهد سيبري تقريره السنوي، مؤكدا بلوغ الإنفاق العسكري العالمي رقما قياسيا جديدا.

14 مايو 2026: زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، أول زيارة رسمية لرئيس أمريكي إلى الصين منذ 2017، وسط تحذيرات صينية بشأن ملف تايوان.

22 مايو 2026: ترؤس الصين لأعمال مجلس الأمن الدولي، وتنظيم جلسة نقاش علنية حول الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة.

7 يونيو 2026: ضربات إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية تعقبها ردود إيرانية بصواريخ باليستية تجاه إسرائيل، في أول مواجهة مباشرة منذ هدنة أبريل.

14 يونيو 2026: إعلان رئيس وزراء باكستان شهباز شريف عن التوصل إلى مذكرة تفاهم أمريكية إيرانية، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.

17 يونيو 2026: توقيع رئيسي الولايات المتحدة وإيران على مذكرة التفاهم، بمهلة ستين يوما لإنهاء النزاع رسميا.

7 و8 يوليو 2026: القمة السادسة والثلاثون لحلف الناتو في أنقرة، وتجديد التزام الحلفاء برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي بحلول 2035.

9 يوليو 2026: انهيار وقف إطلاق النار الأمريكي الإيراني مجددا، مع تجدد الضربات في الخليج ومؤشرات على انقسام داخلي في طهران.

13 يوليو 2026: فشل الاتحاد الأوروبي في تمرير الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات ضد روسيا بعد فيتو بلغاري، إلى جانب إعلان زيلينسكي تعديلا حكوميا في كييف وتصريحات بوتين عن استعداد موسكو لاستئناف المفاوضات مع واشنطن.

7. أسئلة شائعة

ما المقصود بالنظام الدولي متعدد الأقطاب؟ يصف هذا المفهوم مرحلة انتقالية لم تعد فيها قوة واحدة، كالولايات المتحدة بعد 1991، قادرة على فرض إرادتها منفردة على الساحة الدولية، في ظل صعود قوى اقتصادية وعسكرية بديلة مثل الصين والهند وتجمعات مثل بريكس+. لكن باحثين يصفون هذا النظام بأنه “متعدد الأقطاب غير مكتمل وغير مستقر”، إذ لا يزال يفتقر إلى قيادة قادرة على توفير الاستقرار الجماعي.

ما الفرق الجوهري بين بريكس+ ومجموعة السبع؟ تجمع مجموعة السبع سبع اقتصادات غربية متقدمة تأسست منذ السبعينيات، بينما يضم بريكس+ عشر دول كاملة العضوية وعشر دول شريكة من الاقتصادات الناشئة والصاعدة، ويمثل اليوم حصة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمعيار القوة الشرائية تفوق حصة مجموعة السبع، وإن كان يتسم بتجانس أقل من الناحية السياسية والاقتصادية.

لماذا تعطلت مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا مرارا؟ تعود عرقلة المفاوضات إلى تباين عميق بين تصور موسكو وتصور كييف لمفهوم “التنازلات”، إلى جانب انشغال الوساطة الأمريكية بأزمات موازية، أبرزها حرب 2026 في الشرق الأوسط التي أوقفت زخم المحادثات منذ أواخر فبراير من العام ذاته.

ما تأثير أزمة مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية؟ أدى إغلاق المضيق، الذي تمر عبره ربع تجارة النفط البحرية العالمية وخمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، إلى اضطرابات حادة في سلاسل إمداد الطاقة وارتفاعات في أسعار الوقود في عدد من الأسواق الآسيوية، قبل أن تعيد الهدنة المؤقتة في أبريل 2026 فتح جزء من حركة الملاحة، والتي عادت للتراجع مع كل تجدد للتوترات.

هل يمكن فعليا إصلاح مجلس الأمن الدولي؟ تصطدم كل محاولات الإصلاح بشرط الإجماع بين الأعضاء الخمسة الدائمين أنفسهم، الذين يملكون مصلحة مباشرة في الحفاظ على امتيازاتهم. ورغم تصاعد الدعوات، بما فيها دعوات صينية وأممية رسمية، لا تزال أي إعادة هيكلة فعلية للمجلس رهينة توافق سياسي بعيد المنال في المدى القريب.

كيف تتموقع الجزائر والدول العربية في ظل هذه التحولات؟ تحافظ الجزائر على عقيدة دبلوماسية متجذرة في عدم الانحياز، مع استثمار موقعها الجغرافي بين أوروبا وأفريقيا والعالم العربي وثرواتها الطاقية كأوراق نفوذ. غير أن نجاح هذا التموقع يبقى مرهونا بقدرتها على تجاوز محدودية بعض مبادراتها الدبلوماسية، كما ظهر في ملف الساحل وفي التجربة مع طلب الانضمام إلى بريكس سنة 2023.

ما مصير العقوبات الغربية المفروضة على روسيا؟ رغم فعاليتها الجزئية في تقليص عائدات الطاقة الروسية بنسبة تقارب 80 بالمئة، تواجه العقوبات الأوروبية تحديا بنيويا يتمثل في قاعدة الإجماع التي تمنح كل دولة عضو حق نقض أي حزمة جديدة، وهو ما تجلى بوضوح في تعطل الحزمة الحادية والعشرين في يوليو 2026.

8. المصادر والتقارير المرجعية

  1. معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) — التقرير السنوي حول الإنفاق العسكري العالمي 2025 https://www.sipri.org — أبريل 2026
  2. حلف شمال الأطلسي (الناتو) — البيان الختامي لقمة أنقرة https://www.nato.int — 8 يوليو 2026
  3. المجلس الأوروبي (Consilium) — وثائق العقوبات ضد روسيا وسياسة الطاقة https://www.consilium.europa.eu — يناير ويوليو 2026
  4. الأمم المتحدة، مكتب جنيف — أولويات الأمم المتحدة للتعددية في 2026 https://www.ungeneva.org — يناير 2026
  5. الأمم المتحدة، تغطية الاجتماعات والبيانات الصحفية — نقاش مجلس الأمن حول ميثاق الأمم المتحدة https://press.un.org — 22 مايو 2026
  6. مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group) — تقارير حول تحالف دول الساحل والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا https://www.crisisgroup.org
  7. مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (Policy Center for the New South) — تحليل توسع بريكس والتحالفات الخارجية لدول الساحل https://www.policycenter.ma
  8. بريتانيكا (Britannica) — مدخل حرب إيران 2026 وأزمة مضيق هرمز https://www.britannica.com
  9. جامعة كامبريدج — Zaki Laïdi & Yves Tiberghien, The Hedgers: How the Global South Navigates the Sino-American Competition (2026)

9. آخر تحديث

تم تحديث هذا الملف بتاريخ 18 يوليو 2026. أبرز ما استجد منذ الإصدار السابق: انهيار وقف إطلاق النار الأمريكي الإيراني مجددا في 9 يوليو، فشل الحزمة الحادية والعشرين من العقوبات الأوروبية ضد روسيا بعد فيتو بلغاري في 13 يوليو، ونتائج قمة الناتو في أنقرة يومي 7 و8 يوليو 2026. سيتم تحديث الملف دوريا مع كل تطور جوهري في الملفات الست التي يغطيها.

هيئة التحرير