الرئيسيةحقوق الإنسانصور | هكذا يعيش المهاجرون داخل سبتة: حياة بدائية ونوم في العراء...

صور | هكذا يعيش المهاجرون داخل سبتة: حياة بدائية ونوم في العراء وقلة في المأكل

على منحدر صخري تظلله الأشجار البرية، وعند جدار متصدع يستعير باب سيارة محترقة ليصنع مأوى من الريح، يمضي مئات المهاجرين لياليهم في محيط سبتة وأزقتها الحدودية. أشهر بعد الموجة الكبرى التي عبر خلالها عشرات الآلاف الحدود نهاية يوليو 2026، ما زالت الخيام والأرصفة تؤوي من لم يجد غيرها سقفا.

تكشف هذه المشاهد الوجه الإنساني لأزمة لم تُغلق ملفاتها بعد، سياسيا وميدانيا. ففي الثلاثين والحادي والثلاثين من يوليو 2026، عبر ما يقدَّر بنحو 72 ألف شخص الحدود نحو سبتة خلال يومين، بحسب تقديرات متطابقة نسبيا لوكالتي رويترز والفرنسية. ودفعت الحادثة، وما رافقها من غرق عشرات الأشخاص في المضيق، الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الداخلية في الرابع من أغسطس، فيما لا تزال تداعياتها تتفاعل في شوارع سبتة ومدريد حتى مطلع سبتمبر، مخلّفة آلاف المهاجرين بلا مأوى ثابت.

هن أربع نساء، محجبات أو منقّبات، يجلسن على حصير رقيق فُرش فوق تراب طريق جبلي، وخلفهن جدار صخري كسته الأعشاب البرية وأغصان الزيتون البري. واحدة منهن ترفع هاتفها كمن يبحث عن إشارة تربطه بمكان تركه خلف البحر، والأخرى تُثبّت وتد خيمة زرقاء وحمراء بيدين تعرفان تماما كيف يُنصب مأوى مؤقت، لأنهما نصبتاه من قبل أكثر من مرة. كم مرة يمكن لامرأة أن تبني بيتا من قماش قبل أن تكف عن تسميته بيتا؟ السؤال لا يُطرح هنا، لأن الوقت مشغول بالبقاء، لا بالتأمل.

كامو، الذي وُلد على الضفة الجنوبية من هذا البحر نفسه، كتب أن الغربة الحقيقية ليست في المكان، بل في الشعور بأن العالم لا يعنيه أمرك. وهذا بالضبط ما يشي به المشهد على ذلك المنحدر: نساء ينتظرن، لا احتجاجا ولا استسلاما، بل لأن الانتظار وحده هو ما تبقى لهن من خيارات. ووفق ما أورده موقع “إل إسبانيول” الإسباني في الرابع من أغسطس، ظل قرابة خمسة آلاف مهاجر داخل سبتة رغم إعلان الحكومة أن الوضع “عاد إلى طبيعته”، محذرا من مخاطر الحرائق والسرقة وتردي الأوضاع الصحية في المخيمات العشوائية المحيطة بالمدينة.

في زاوية أخرى من الجغرافيا نفسها، رجل وحيد يجثو أمام باب سيارة محترقة، نزعه من هيكلها وأسنده إلى الحائط ليصنع حاجزا يقيه الريح وهو يطهو بيضا وبطاطا في قدر أسود فوق نار صغيرة. لا موقد له ولا مطبخ، فقط ثلاثة حجارة تسند قدميه، وصندوق خشبي أعاد استخدامه أثاثا لحياة بلا سقف. ثمة في هذا المشهد ما يشبه سخرية الأشياء: باب سيارة، وظيفته الأصلية أن يفصل الداخل عن الخارج، صار هنا الحاجز الوحيد بين رجل وريح الساحل. وربما لهذا كتب كونديرا أن ثقل الحياة يكمن أحيانا في أشياء صغيرة، تفقد حين يُنزع عنها معناها الأول، وتصبح أثقل من أن تُحتمل.

وعلى رصيف قريب من طريق تجارية، ينام رجلان جنبا إلى جنب فوق فرشة رقيقة، تحت الجزء الخلفي من شاحنة نقل. أحدهما يضع ذراعه فوق رأسه كمن يحمي نفسه من شمس لم تعد تُرحَم، والآخر يلتف داخل ملابسه الرياضية وكأنها العزاء الوحيد المتبقي له. أكياس بلاستيكية ممزقة، تحمل اسم متجر محلي، هي كل ما يملكانه من أمتعة. لم يعد النوم هنا راحة، بل هدنة قصيرة يفرضها الجسد على عقل لا يتوقف عن حساب المسافة المتبقية نحو حدود لم تعد، بعد كل هذه المحاولات، تعني الأمان الذي كانا يتخيلانه. ويتوافق هذا المشهد مع ما وثّقته تقارير دولية عدة عن تحوّل أرصفة سبتة وضواحيها الحدودية إلى مبيت دائم لآلاف ممن رفضوا العودة إلى المغرب أو لم يجدوا مكانا في مراكز الإيواء المكتظة.

لم تكن هذه المشاهد الثلاثة استثناء، بل امتدادا لأزمة تُصنَّف بين الأكبر في تاريخ المعبر الحدودي بين المغرب وإسبانيا. فبحلول الرابع من أغسطس، أعلنت وزارة الداخلية الإسبانية عودة نحو 70 ألف شخص من أصل 72 ألفا دخلوا المدينة خلال الأيام السابقة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإسبانية “إيفي”. أما حصيلة القتلى، فتباينت الروايات بشأنها بشكل لافت: تحدثت السلطات المحلية في الثاني من أغسطس عن 72 حالة وفاة، قبل أن يرفع مسؤول في المدينة الرقم إلى نحو 100 في تصريح نقلته رويترز في السادس من الشهر نفسه، فيما أشارت تجميعات إعلامية لاحقة إلى حصيلة إجمالية تجاوزت 111 قتيلا موزعين بين الجانبين الإسباني والمغربي. هذا التفاوت في الأرقام، الذي لم تصدر بشأنه تسوية رسمية موحدة حتى الآن، يعكس بذاته فوضى الأيام الأولى للأزمة أكثر مما يعكس دقة أي رقم بعينه.

وبين هذه الأرقام، بقي 862 قاصرا غير مصحوب بذويه داخل سبتة حتى الثالث من أغسطس، بينما لم تتوفر سوى 29 مكان إيواء مخصصة للقُصَّر، بحسب ما أوردته صحيفة “إل باييس” الإسبانية، ما اضطر السلطات إلى الإعلان عن نقل غالبيتهم لاحقا نحو الأراضي الإسبانية القارية. وأعلنت وزارة الشباب والطفولة الإسبانية تخصيص 25 مليون يورو كمساعدة طارئة لرعاية القُصَّر في المدينة، في وقت حذّرت فيه منظمات دولية من مخاطر تتهدد النساء والأطفال داخل مراكز الإيواء المكتظة، وأشارت تقارير إلى فتح تحقيقات في بلاغات تتعلق بالعنف الجنسي داخل هذه المراكز.

ومع دخول شهر سبتمبر، لم تهدأ الأزمة، بل انتقلت من ضفة الميدان الحدودي إلى شوارع المدن الإسبانية. ففي الثاني من الشهر، وهو يوم يصادف ذكرى محلية لسيطرة البرتغال على سبتة في القرن الخامس عشر، خرج عشرات آلاف المحتجين في مدريد وسبتة للمطالبة بإجراءات أكثر صرامة تجاه الوافدين، بينما تحدثت تقارير عن رشق دورية عسكرية بالحجارة وعن إحراق ممتلكات تعود لمهاجرين على يد محتجين غاضبين، وهو ما اضطر الشرطة المحلية إلى التدخل للفصل بين الطرفين. وقبل ذلك بأيام، في السابع والعشرين من أغسطس، أضرم محتجون النار في مآوٍ عشوائية أقامها مهاجرون على أحد شواطئ المدينة، بينما منع خمسون شخصا فرق الصليب الأحمر من إيصال مساعدات إلى الشاطئ نفسه.

وبين خيمة على منحدر، وباب سيارة يصنع مطبخا، وفرشة تحت شاحنة، تتكرر صورة واحدة لا تتغير: أجساد تنتظر أن يعترف بها مكان ما بيتا. لا أحد من هؤلاء اختار أن تكون سبتة محطته الأخيرة أو العابرة، لكن الجميع، رجالا ونساء، يتقاسمون العراء نفسه والجوع نفسه وانتظارا واحدا أمام حدود لا تفرّق، في صرامتها، بين من طرقها بأمل ومن طرقها بيأس.

في الليل، حين تخفت أضواء المدينة القريبة، يبقى وميض النار الصغيرة خلف باب السيارة المحترقة العلامة الوحيدة على أن أحدا هنا لا يزال يقاوم البرد، بيدين عاريتين، وبانتظار لم يُحدَّد له بعد تاريخ نهاية.


المصادر

  1. رويترز – تصريح لمسؤول محلي في سبتة رفع حصيلة القتلى إلى نحو 100
    https://www.reuters.com/world/100-people-died-during-ceuta-border-rush-says-ceuta-leader-2026-08-06/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  2. الجزيرة – المهاجرون العالقون في سبتة يأملون في مستقبل أفضل
    https://www.aljazeera.com/news/2026/8/4/migrants-stranded-in-ceuta-hope-for-a-better-future – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  3. الجزيرة – احتجاجات حاشدة في إسبانيا بعد شهر على أزمة سبتة
    https://www.aljazeera.com/news/2026/9/2/thousands-protest-in-spain-as-ceutas-migrant-crisis-festers-a-month-on – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  4. ويكيبيديا الإنجليزية – صفحة توثيقية لأزمة سبتة 2026 (تجميع مصادر أولية: رويترز، إيفي، إل باييس، إن بي سي نيوز)
    https://en.wikipedia.org/wiki/2026_Ceuta_migrant_crisis – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  5. مكتبة مجلس العموم البريطاني – تقرير: عبور المهاجرين إلى سبتة وردود الفعل الأوروبية
    https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10987/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026

ليلى منصور – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصور
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة