الرئيسيةملفات وتحقيقاتقصص إنسانيةعمر أكتوف: الاقتصادي الجزائري الذي جعل الدفاع عن الجنوب مشروع حياة

عمر أكتوف: الاقتصادي الجزائري الذي جعل الدفاع عن الجنوب مشروع حياة

توفي في مونتريال، في الثاني من أبريل 2025، المفكر الجزائري عمر أكتوف، أستاذ الإدارة في مدرسة HEC الذي حوّل مسيرته الأكاديمية إلى معركة فكرية طويلة ضد ما اعتبره استعمارًا اقتصاديًا يُدار باسم العلم. من طفولة قاسية في الجزائر إلى قاعات التدريس في كندا، ترك أكتوف إرثًا فكريًا يوصف بأنه من أبرز الأصوات الجزائرية المدافعة عن كرامة بلدان الجنوب في مواجهة النموذج الرأسمالي الغربي.

لماذا هذا مهم: تكتسب استعادة سيرة عمر أكتوف أهميتها في سياق تتصاعد فيه، من الجزائر إلى أمريكا اللاتينية، الأسئلة حول جدوى النماذج الاقتصادية الموروثة عن المؤسسات الغربية. فقد بنى أكتوف، عبر أكثر من أربعين عامًا من التدريس والاستشارة، نقدًا منهجيًا لعلم الإدارة الأمريكي استند إلى مراجع تمتد من أرسطو إلى الفيزياء الحرارية، مرورًا بكارل ماركس، وحصل خلال مسيرته على جوائز وأوسمة في كندا وفرنسا وكولومبيا. تجربته الشخصية، من طفولة صعبة في الجزائر إلى أستاذ جامعي معترف به عالميًا، تمنح مسيرته بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود السيرة الأكاديمية المجردة.

[ملاحظة تحريرية: النص التالي مقاربة شخصية بقلم الكاتبة ليلى منصور، تعكس قراءتها الخاصة لسيرة الراحل عمر أكتوف وإرثه الفكري]

تخيلوا معي طفلاً في قرية جزائرية، لا يعرف القراءة بعد، يقف أمام باب مدرسة لا يفهم لغتها تمامًا، بينما العالم من حوله يُدار بقوانين لا يد له فيها. روى عمر أكتوف لاحقًا في حوار صحفي أنه كان أمّيًا في الحادية عشرة من عمره، وأنه مع ذلك وجد نفسه، بعد خمس سنوات فقط، مسؤولاً عن إدارة مدرسة ابتدائية بأكملها. هذه القفزة، من الأمية إلى المسؤولية، لم تكن مجرد حكاية نجاح فردي. كانت، كما سأحاول أن أُبيّن، المفتاح الخفي لفهم رجل قضى حياته كلها يسأل السؤال نفسه: من يملك حق تعريف الكفاءة؟ من يقرر من هو المؤهل ومن هو المتخلف؟

وُلد عمر أكتوف، وفق ويكيبيديا، في الثاني والعشرين من أكتوبر 1944، في عائلة جزائرية يحمل اسمها، بحسب صيغته القبائلية Ɛumer Aktuf، أثر انتمائها إلى منطقة الأمازيغ في الجزائر. حصل على الليسانس في علم النفس وعلى دبلوم الدراسات المعمقة في علم النفس الصناعي من جامعة الجزائر وجامعة السوربون، ثم أضاف إليهما دبلوم دراسات عليا في التسيير من المعهد الوطني لتطوير إطارات التسيير بالجزائر، بحسب ما أكدته مدرسة HEC مونتريال في بيان نعيها. وقبل أن يغادر بلاده، شغل عمر أكتوف مناصب مسؤولية في مؤسسات جزائرية عمومية، حيث اختبر عن قرب المسافة الفاصلة بين النظريات التي دُرّبت عليها الأجيال الجديدة من الإطارات وبين واقع مصنع جزائري يحاول أن ينهض من إرث الاستعمار.

غادر أكتوف الجزائر إلى كندا. غادر لغته الإدارية الأولى نحو لغة أخرى، فرنسية بلكنة أمريكية شمالية. غادر يقينه بأن العالم الثالث محكوم عليه بأن يتعلم من الشمال، ليكتشف أن الشمال نفسه يحتاج من يُعلّمه معنى الإنسان. هذا التنقل المتكرر بين ضفتين، الذي عاشه الكاتب ألبير كامو بشكل مختلف بين الجزائر وفرنسا، لم يكن بالنسبة لأكتوف نفيًا بقدر ما كان موقع مراقبة متميزًا: فمن مونتريال، استطاع أن يرى واشنطن وشيكاغو بعين لم تعتد أن ترى فيهما مصدرًا وحيدًا للحقيقة الاقتصادية.

حصل أكتوف على الماجستير في إدارة الأعمال ثم على الدكتوراه في الإدارة من مدرسة HEC مونتريال، حيث عمل أستاذًا جامعيًا منذ أوائل الثمانينيات وحتى وفاته، أي على مدى أكثر من أربعة عقود متصلة. وإلى جانب التدريس، عمل مستشارًا لشركات كبرى في كندا مثل كاسكاد واتحاد صناديق ديجاردان، كما قدّم استشاراته لمؤسسات في فرنسا والجزائر وتونس والمغرب، فحوّل بذلك خبرته الأكاديمية إلى جسر عملي بين قاعة الدرس ومصنع حقيقي في الدار البيضاء أو تونس العاصمة.

كان أكتوف عضوًا مؤسسًا في مركز الإنسانية والتسيير والعولمة داخل مدرسة HEC، وعضوًا في المجلس العلمي لحركة أتاك كيبيك المناهضة لهيمنة الأسواق المالية، وترشح أكثر من مرة باسم أحزاب تقدمية كندية، من بينها اتحاد القوى التقدمية والحزب الديمقراطي الجديد، بحسب ويكيبيديا. وهنا يكمن ما يميز أكتوف عن كثير من أساتذة الجامعات الذين يكتفون بنقد النظام من فوق منابرهم: فقد كان مستعدًا لأن ينزل بأفكاره إلى ساحة الانتخابات، حيث تُقاس القناعات بصناديق الاقتراع لا بالتصفيق في المؤتمرات.

لكن الثمن كان باهظًا أحيانًا. فقد أشار أكتوف في حوار صحفي إلى أنه وُضع على الهامش داخل مؤسسته نفسها بعد أن دعا إلى إعادة النظر الجذرية في نموذج مدارس التجارة والتسيير، بل إلى التفكير في إلغائها كما هي معروفة اليوم. كم من أستاذ، يا ترى، يجرؤ على أن يعارض المؤسسة التي تمنحه راتبه الشهري؟ أكتوف فعل ذلك، ليس مرة واحدة، بل جعل منه خطًا فكريًا ثابتًا امتد عبر كل كتبه.

كتب أكتوف باكرًا، سنة 1986 في الجزائر، مؤلَّفه العمل الصناعي ضد الإنسان؟، ليضع منذ البداية علامة استفهام على العلاقة بين المصنع الحديث والكرامة الإنسانية. ثم نشر سنة 1989 في باريس كتاب الجزائر: بين المنفى والغنيمة، وهو عنوان يختصر بدقة مأساة بلد استقل سياسيًا بينما بقيت نخبه الاقتصادية أسيرة نماذج مستوردة. أما مؤلَّفه الأشهر أكاديميًا، الإدارة بين التقليد والتجديد، فتجاوز السبعمئة صفحة في طبعاته اللاحقة، وتُرجم إلى الإنجليزية والإسبانية والبرتغالية، ليصبح مرجعًا يُدرَّس في جامعات أوروبا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

في سنة 2002، نشر أكتوف كتابه الأكثر جرأة، استراتيجية النعامة: ما بعد العولمة، الإدارة والعقلانية الاقتصادية، الذي بنى فيه مسارًا فكريًا غير مألوف يمتد من أرسطو إلى ميكانيكا الكم والفيزياء الحرارية، مرورًا بكارل ماركس، ليقول إن علم الاقتصاد السائد يستعير سلطته من نموذج فيزيائي عفا عليه الزمن. نال هذا الكتاب جائزة أفضل كتاب اقتصادي باللغة الفرنسية في كيبيك سنة 2003. ثم أتبعه سنة 2008 بكتاب أكثر وضوحًا في عنوانه، كفى تبذيرًا! لنضع حدًا لاقتصاد الإدارة على الطريقة الأمريكية، وفيه لخّص خلاصة أربعين عامًا من الملاحظة: أن النموذج الأمريكي في التسيير ليس علمًا محايدًا، بل أيديولوجيا تُقدَّم في قالب علمي.

وما الذي يجعل من هذه الكتب أكثر من مجرد نقد أكاديمي؟ الجواب يكمن في كلمة واحدة يكررها كل من كتب عن أكتوف: الجنوب. فحين كان يتحدث عن الإدارة الإنسانية في مقابل الإدارة الأمريكية، لم يكن يقصد نقاشًا نظريًا مجردًا بين مدرستين فكريتين، بل كان يدافع، بلغة الاقتصاد والتسيير، عن حق بلدان المغرب العربي وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في أن تبني نماذج تنمية لا تُقاس بمعيار الربح الفصلي وحده. هذا هو المعنى العميق لما يمكن أن نسميه، دون مبالغة، تيّارًا تحرريًا داخل حقل ظنّه كثيرون محايدًا تقنيًا: علم الإدارة.

وحين أعادت دار إيكوسوسييتيه طبع استراتيجية النعامة في طبعة موسّعة، أضافت إلى عنوانها الفرعي عبارة دالة: تحديات اقتصادية وتسييرية لبلدان المغرب العربي، وكأن أكتوف أراد أن يوضح، بلا لبس، لمن يكتب. لم يكن مخاطبًا افتراضيًا في باريس أو مونتريال، بل كان يخاطب مديرًا جزائريًا أو تونسيًا أو مغربيًا يقف كل صباح أمام معضلة استيراد نموذج إداري لم يُصمَّم أصلًا لواقعه. بهذا المعنى، ينضم أكتوف، دون أن يعلن ذلك صراحة في عناوين كتبه، إلى تيار فكري أوسع عرفه الجنوب منذ عقود، من سمير أمين إلى غيره من مفكري التبعية، وإن اختار هو أن يخوض المعركة من داخل حقل الإدارة نفسه، لا من خارج أسواره.

سافر أكتوف عبر العالم ليقول هذه الفكرة بلغات مختلفة. ألقى، بحسب سجل منشوراته، مئات المحاضرات بالفرنسية والإنجليزية والإسبانية والبرتغالية، في جامعات أوروبية وأفريقية وأمريكية لاتينية. وفي أمريكا اللاتينية تحديدًا، وجد أكتوف صدى خاصًا لأفكاره: منحته جامعة أونيفال في مدينة كالي الكولومبية سنة 2016 وسام الشرف الوطني تقديرًا لإسهامه المعرفي، وكُرّم سنة 2017 في مؤتمر دولي بكولومبيا احتفاءً بإرثه في الاقتصاد والتسيير. سبق ذلك حصوله سنة 1987 على جائزة البحث من مدرسة HEC وجامعة مونتريال، وسنة 2000 على جائزة أفضل عشر مقالات نشرتها مجلة ألمانية متخصصة في التطوير التنظيمي، وسنة 2002 على وسام التميز بصفته خبيرًا دوليًا في التسيير وإدارة الموارد البشرية من جمعية فرنسية مغاربية، وسنة 2005 على جائزة أفضل مقال في التكوين الإداري من جمعية العلوم الإدارية الكندية.

ولم يكن تأثير أكتوف مقتصرًا على من حضروا محاضراته مباشرة. فقد تابع كثير من الباحثين الجزائريين والمغاربة الشباب أعماله عن بعد، ووجدوا فيها سندًا نظريًا لأطروحات ما كانوا يجرؤون أحيانًا على صياغتها بهذا الوضوح داخل جامعاتهم. حين أُعلن خبر وفاته في الجزائر، تصدّرت الإشارة إلى إرثه الفكري أكثر من التفاصيل الشخصية، وكأن الجزائر التي غادرها أكتوف صغيرًا استعادته، بعد رحيله، أستاذًا لأجيال لم تلتقِه يومًا.

توفي عمر أكتوف عن عمر ناهز الثمانين عامًا، تاركًا خلفه، بحسب وصف موقع المشهد الجزائري، سمعة من «أبرز المفكرين الجزائريين». ووصفته مدرسة HEC مونتريال، في بيان نعيها الرسمي، بأنه كان «مفكرًا ملتزمًا» كرّس أكثر من أربعة عقود للتدريس والبحث داخل المؤسسة نفسها التي كان ينتقد بعض أسسها الفكرية. وهذا التناقض الظاهري، بين الولاء المؤسسي والنقد الجذري، هو بالضبط ما يمنح سيرة أكتوف قوتها: لم يكن معارضًا من الخارج يسهل تجاهله، بل كان صوتًا من الداخل، يصعب إسكاته لأنه يحمل شهادات الدكتوراه نفسها التي يحملها خصومه الفكريون.

أعود، في ختام هذا النص، إلى ذلك الطفل الأمّي الذي وقف يومًا أمام باب مدرسة لا يفهم لغتها. لم يكن يعرف، وهو في الحادية عشرة من عمره، أنه سيصبح يومًا أستاذًا يُدرّس في القارة نفسها التي صدّرت إلى بلاده نماذج الإدارة التي سيقضي حياته يفككها. ثمة خفة كتب عنها ميلان كونديرا يومًا، خفة كائنات لا تُحتمل، وثمة ثقل آخر يحمله من يقرر أن يحول جرحه الشخصي إلى مشروع فكري يمتد أربعين عامًا. عمر أكتوف اختار الثقل. اختار أن يبقى، حتى في مونتريال، جزائريًا يسأل الأسئلة نفسها التي كان يطرحها ذلك الطفل: من يملك حق تعريف من هو الكفء؟ ومن يدفع ثمن الأجوبة الجاهزة؟ رحل الرجل في الثاني من أبريل 2025، لكن كتبه بقيت على الرفوف، تنتظر من يواصل طرح السؤال نفسه.


المصادر

  1. مدرسة HEC مونتريال – بيان نعي: “Décès d’Omar Aktouf”
    https://www.hec.ca/nouvelles/2025/deces-omar-aktouf – تم الاطلاع عليه في 5 سبتمبر 2026
  2. ويكيبيديا (بالفرنسية) – “Omar Aktouf”
    https://fr.wikipedia.org/wiki/Omar_Aktouf – تم الاطلاع عليه في 5 سبتمبر 2026
  3. Ultra Algeria – “رحيل عمر أكتوف المفكر الاقتصادي البارز المنحاز للإنسانية”
    https://ultraalgeria.ultrasawt.com/رحيل-عمر-أكتوف-المفكر-الاقتصادي-البارز-المنحاز-للإنسانية/فريق-التحرير/أخبار – تم الاطلاع عليه في 5 سبتمبر 2026
  4. المشهد الجزائري – “أبرز المفكرين الجزائريين.. من هو عمر أكتوف؟”
    https://almashhad.com/article/773112298002792-News/549942778936613 – تم الاطلاع عليه في 5 سبتمبر 2026
  5. POUR.press – “Omar Aktouf, l’enseignant en gestion à la conscience sociale”
    https://pour.press/omar-aktouf-lenseignant-en-gestion-a-la-conscience-sociale/ – تم الاطلاع عليه في 5 سبتمبر 2026
  6. sroh.org – سيرة ومسار عمر أكتوف الأكاديمي (المؤلفات والجوائز)
    https://sroh.org/fr/invites-blog/170-omar-aktouf – تم الاطلاع عليه في 5 سبتمبر 2026

ليلى منصور – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصور
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة