لماذا هذا مهم. تعاني السجون التونسية أصلا من اكتظاظ مزمن، إذ يقدَّر عدد النزلاء بنحو 33 ألف سجين مقابل طاقة استيعاب لا تتجاوز 17 ألف مكان، وفق أرقام تتداولها منظمات حقوقية. وقد تزامنت موجة الحر هذا الصيف مع انقطاعات متكررة في المياه والكهرباء، ما فاقم ظروف احتجاز وصفتها الرابطة التونسية بأنها كانت متردية أصلا قبل الصيف. ويعيد الملف فتح نقاش أقدم يتعلق بمنع الرابطة من زيارة السجون منذ عام 2025.
وقال الطريفي، في تصريح لإذاعة إكسبريس إف إم الخاصة، إن حالات الوفاة العشرين وُثّقت حتى نهاية شهر أغسطس/آب، استنادا إلى معطيات جمعتها الرابطة من أطباء ومحامين وأقارب السجناء. ولم تصدر وزارة العدل ولا الإدارة العامة للسجون حتى الآن أي تعقيب يؤكد هذه الحصيلة أو ينفيها. واعتبر الطريفي أن « الأوضاع بالسجون غير إنسانية »، مشيرا إلى أن طاقة الاستيعاب بلغت في بعض السجون 300 بالمئة. وتكشف هذه الوفيات المتتالية، في بلد عُلّقت فيه زيارات المراقبين المستقلين منذ أكثر من عام، عن تعامل مع أرقام الوفيات داخل السجون كمعلومة تحتكرها الإدارة وحدها دون رقابة خارجية.
وتوضح حالتان طريقة توثيق الرابطة لهذه الوفيات. ففي القيروان، وسط البلاد، أعلن الفرع المحلي للرابطة وفاة سجين يبلغ 50 عاما إثر سكتة دماغية عزتها المنظمة إلى تعرضه لحر شديد لفترة طويلة. وفي سجن المرناقية بضواحي العاصمة تونس، أفاد محام طلب عدم الكشف عن هويته وكالة فرانس برس بأن سجينا آخر توفي بعد تعرضه لحالة اختناق مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. وتندرج الحالتان ضمن المنهجية التي وصفها الطريفي، القائمة على مقارنة شهادات طبية وعائلية وقضائية في غياب إحصاءات رسمية.
حصيلة أولية بخمس وفيات في يوم واحد نهاية أغسطس
قبل إعلان 3 سبتمبر، كان الطريفي قد كشف في 28 أغسطس عن وفاة خمسة سجناء في يوم واحد داخل مؤسسات سجنية بولاية تونس الكبرى، دون تحديد هويتهم أو المؤسسات المعنية بالضبط. ولم تشمل تلك الحصيلة الأولى حالات أخرى سُجّلت في ولايات كالمهدية والمنستير، حيث أفادت تقارير محلية بنقل سجناء إلى وحدات العناية المركزة في الأيام نفسها. ويؤكد رقم العشرين وفاة الذي أُعلن بعد أسبوع اتجاها تصاعديا أكثر منه حادثة معزولة. وأفادت منظمة أطباء الشبان التونسيين، نهاية أغسطس، بارتفاع غير مسبوق في حالات دخول المستشفيات والوفيات المرتبطة بضربات الشمس على مستوى عموم السكان، دون تمييز بين حالات السجناء وباقي المواطنين. ويضع هذا المعطى الأوسع أزمة السجون ضمن سياق موجة حر ضربت البلاد بأكملها خلال الصيف.
اكتظاظ موثّق قبل موجة الحر نفسها
تضاف الأزمة الصحية الحالية إلى ظروف احتجاز كانت الرابطة التونسية قد وصفتها بالمقلقة قبل الصيف. ففي تقرير نشرته عام 2025، رصدت المنظمة داخل ثماني سجون مساحة لا تتجاوز مترين مربعين للسجين الواحد. وفي 23 يوليو، بمناسبة الذكرى التاسعة والستين لإعلان الجمهورية، أصدر الرئيس قيس سعيّد عفوا رئاسيا شمل ألفين وأربعمئة وتسعة وثلاثين سجينا، وأمر بالإفراج عن أربعمئة وتسعين آخرين، وهي خطوة اعتبرتها الرابطة غير كافية مقارنة بعدد نزلاء يقدَّر بأكثر من 60 ألف شخص. ويعود جزء من هذا الاكتظاظ إلى اتساع اللجوء إلى الاحتجاز الاحتياطي، إذ لا يزال عدد كبير من السجناء بانتظار أحكام نهائية في قضاياهم. وبهذا المعنى، لم تصنع موجة الحر أزمة السجون التونسية، بل كشفت حجمها، وفق ما ينقله محامون وعائلات تحدثت إليهم الرابطة.
وزارة الصحة تربط أي إعلان رسمي بتحقيق جنائي
في مواجهة المعطيات التي نشرتها الرابطة ومحامون مختلفون، تبنّت السلطات الصحية التونسية موقفا حذرا. وأوضحت مسؤولة في وزارة الصحة، هند الشابي، أن السلطات لن تعلن أرقاما ولن تنسب أي وفاة إلى سبب محدد إلا بعد تحقق دقيق يستند إلى مؤشرات علمية وخبرة في الطب الشرعي. ويأتي هذا التحفظ الرسمي في وقت عبّرت فيه منظمات، من بينها منظمة العفو الدولية، عن قلقها من تأثير الحرارة على أضعف فئات المحتجزين، خصوصا كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة. وقد أثار أقارب عدد من السجناء المسنين، في الأيام الأخيرة، مخاوف بشأن وضعهم الصحي، دون أن تدرجهم الرابطة رسميا ضمن حصيلة العشرين وفاة.
ضغط دولي متصاعد على إدارة السجون
استغلت لجنة حماية الصحفيين هذه المعطيات لتجدد، في 31 أغسطس، مطالبتها بالإفراج عن ثلاثة صحفيين معتقلين، محتجّة بالمخاطر التي تفرضها موجة الحر على محتجزين يعانون مشاكل صحية. وعلى المستوى المحلي، طالبت هيئات محامين جهوية، من بينها هيئة القصرين، بفتح تحقيقات مستقلة في كل حالة وفاة داخل السجون، ونشر الأسباب الطبية الدقيقة لكل حالة. وطلبت الرابطة من الإدارة العامة للسجون ومن وزارة العدل تزويدها بالمعطيات المتوفرة لديهما، مؤكدة أنها لا تسعى إلى المواجهة بل إلى الحصول على المعلومة فحسب. ولم يحدَّد حتى الآن أي موعد لفتح تحقيق قضائي شامل في حصيلة الوفيات العشرين.
المصادر
- فرانس 24 (عربي) – منظمة حقوقية تونسية تؤكد وفاة 20 سجينا على الأقل خلال موجة الحر الخانقة
https://www.france24.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9/20260904 – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - عربي21 – محامٍ تونسي يؤكد تسجيل وفاة 20 سجينا بسبب الحرارة والاختناق
https://arabi21.com/story/1786336 – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - هسبريس – موجة الحر تقتل 20 سجينا في تونس
https://www.hespress.com/موجة-الحر-تقتل-20-سجينا-بتونس-1801526.html – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - لجنة حماية الصحفيين (CPJ) – بيان يدعو تونس إلى الإفراج عن صحفيين مسجونين وسط موجة حر قاتلة
https://cpj.org/2026/08/cpj-calls-on-tunisia-to-release-imprisoned-journalists-amid-deadly-heatwave/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026 - نواة (Nawaat) – السجون في تونس: موجة الحر، عقوبة مضاعفة
https://nawaat.org/2026/08/26/prisons-in-tunisia-heat-wave-a-double-sentence/ – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
ليلى منصور – مجلة الاحرار



