الرئيسيةالمجتمعقضايا المجتمعالطفل أيوب: لماذا لم تنجح أربعة أيام من الحفر في انتشاله حيا...

الطفل أيوب: لماذا لم تنجح أربعة أيام من الحفر في انتشاله حيا من بئر الركن؟

انتشلت الحماية المدنية الجزائرية، مساء السبت 5 سبتمبر 2026، جثة الطفل أيوب، 10 سنوات، بعد أربعة أيام من عملية بحث وإنقاذ معقدة داخل بئر ارتوازي جاف بقرية الركن التابعة لبلدية الغسول في ولاية البيض. تكشف تفاصيل البئر نفسه، من قطره الضيق إلى مساره غير المستقيم وطبقات الردم المتراكمة فوق موقع الطفل، لماذا وصلت فرق الإنقاذ إلى نقطة الوصول بعد فوات الأوان.

تكتسب هذه المأساة أهمية تتجاوز حدود قرية صغيرة في أقصى الجنوب الغربي الجزائري، لأن تفاصيل عملية الإنقاذ نفسها تشرح سبب فشل أربعة أيام من الجهد المتواصل في الوصول إلى الطفل قبل فوات الأوان: بئر غير مبطن وملتوي المسار، طبقات من الردم تراكمت فوق موقعه، وحاجة فنية لحفر بئر موازٍ ونفق أفقي بدل النزول المباشر. هذه العوامل مجتمعة تعيد فتح ملف الآبار الجافة وغير المحصّنة المنتشرة في الأرياف الجزائرية، وتطرح سؤالا أوسع حول جاهزية فرق الإنقاذ لمواجهة هذا النوع من الحوادث.

لم يكن أحد في قرية الركن، ذلك الحيّ الصغير المتناثر بين الطريقين الوطنيين 107 و47 في دائرة برزينة، يعرف أن مساء الأربعاء 2 سبتمبر سيصبح تاريخا يتردد في كل بيت جزائري. كان أيوب، في العاشرة من عمره، يعبر الطريق نفسه الذي يعبره كل يوم، حاملا وجبة لأخيه الذي يرعى الأغنام في الأطراف. وضع قدمه، كما فعل مرات لا تحصى من قبله، على لوح من الخشب الرقائقي يغطي فوهة بئر ارتوازي جاف. لكن اللوح، هذه المرة، لم يحتمل وزنه.

سقط الطفل في عمق قارب الثمانين مترا، عبر أنبوب لا يتجاوز قطره أربعين سنتيمترا، حُفر وفق طريقة تقليدية جعلت أي محاولة نزول مباشر لمسعف أمرا مستحيلا. وحين سمع الأب صراخ ابنه، هرع نحو الفتحة، وتمكن من تبادل كلمات معه قبل أن يتولى رجال الحماية المدنية زمام العملية. وروى الأب لاحقا، بحسب ما نقلته وسائل إعلام محلية عدة، أن آخر ما سمعه من ابنه كان نداء «أخرجني من هنا يا أبي» – وهي عبارة لم تؤكدها الحماية المدنية رسميا في أي بلاغ منفصل، لكنها ظلت الصدى الذي رافق الجزائريين طوال أربعة أيام من الانتظار.

لماذا استغرق الوصول إلى أيوب أربعة أيام كاملة؟ الجواب يبدأ من بنية البئر نفسه. لم يكن الأمر يتعلق ببئر عادي مزوّد بأنبوب حماية داخلي، بل ببئر تقليدي غير مبطّن، حُفر يدويا منذ سنوات دون تغليف يثبّت جدرانه أو يحدد مساره بدقة. هذا الغياب التام لأي تبطين جعل المسار نفسه ملتويا وغير مستقيم، بحيث لم تكن فرق الإنقاذ تعرف بالضبط أين يقع أيوب على طول الأنبوب البالغ عمقه 80 مترا. أضف إلى ذلك أن البئر كان مردوما بكميات من التراب على عمق يقارب 30 مترا حتى قبل سقوط الطفل، وأن كتلا إضافية من التراب والحجارة انهارت فوق الموقع الذي استقر فيه، فدفنته تحت طبقة سميكة صعّبت تحديد موضعه بدقة حتى بالكاميرات المخصصة للفحص.

أمام استحالة النزول المباشر عبر أنبوب لا يتجاوز قطره 40 سنتيمترا، وأمام خطر انهيار إضافي في حال محاولة توسيع الفتحة الأصلية نفسها، اختارت الحماية المدنية أسلوبا أبطأ لكنه الوحيد الممكن تقنيا: حفر بئر ثانٍ، عمودي وموازٍ للأول، إلى العمق نفسه تقريبا، ثم فتح ممر أفقي يخترق الصخر باتجاه المكان الذي يُحتمل وجود الطفل فيه. أوضح النقيب نسيم برناوي، المتحدث باسم المديرية العامة للحماية المدنية، أن هذه الطريقة استلزمت الاستعانة بمعدات حفر متخصصة وخبراء جيوتقنيين وشركات خاصة في الأشغال العمومية، إلى جانب كاميرات فحص لرسم المسار الدقيق للبئر من فوهته إلى قاعه. كل هذا في تربة صخرية أبطأت وتيرة الحفر خطوة بخطوة، وفي سباق يضع سلامة المنقذين أنفسهم على المحك في كل متر يُقطع.

من تلك اللحظة، تحوّلت الركن، القرية التي لم يكن أحد خارج ولاية البيض يعرف اسمها، إلى نقطة تجمّع وطني افتراضي. امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بنداءات الإنقاذ ورسائل التضامن التي حملت اسم أيوب، وتحوّلت متابعة سير عملية الإنقاذ إلى طقس يومي لملايين الجزائريين الذين لم يلتقوا الطفل يوما ولم يعرفوا قريته، لكنهم وجدوا أنفسهم، فجأة، معلّقين بمصير غريب عنهم جغرافيا وقريب منهم إنسانيا.

نقلت السلطات المحلية ووسائل إعلام جزائرية صورا لجرافات ثقيلة تحفر حفرة واسعة إلى جانب فوهة البئر الأصلية، في مشهد تكرر يوما بعد يوم أمام أهالي القرية الذين لم يغادروا موقع الحفر. لم تكن العملية مجرد إجراء تقني بحت، بل تحوّلت إلى سهر جماعي شارك فيه سكان الركن جنبا إلى جنب مع رجال الحماية المدنية، في وقت كانت فيه كل ساعة إضافية تقلّص فرص العثور على الطفل حيا.

بلغت فرق الإنقاذ، مساء السبت، الموقع الذي كانت تبحث عنه منذ أربعة أيام. لكن ما أعلنته الحماية المدنية لم يكن خبر إنقاذ، بل بلاغا رسميا مقتضبا أفاد بأن أيوب أُخرج بلا حياة. أربعة أيام من الحفر والدعاء والمتابعة انتهت بجملة واحدة أنهت الأمل الذي رفعته الجزائر بأكملها: الطريق التقني الوحيد الممكن نحو الطفل كان أيضا الأبطأ من أن يسبق الزمن الذي عاشه وحيدا في القاع.

تعيد هذه الحادثة إلى الواجهة سؤالا لم يُطرح بالقدر الكافي من قبل: كم بئرا جافا مشابها، غير مبطّن وغير موثّق المسار، لا يزال مفتوحا أو مغطى بلوح خشبي هش في الأرياف الجزائرية؟ الآبار الارتوازية التي حُفرت خلال عقود لأغراض الري أو تربية المواشي، ثم جفّت أو هُجرت دون تبطين أو ردم منظم، تتحول مع مرور الوقت إلى فخاخ صامتة لا تحتاج إلى أكثر من قدم طفل عابر لتنكشف خطورتها، ولا تحتاج إلى أكثر من انهيار تربة عشوائي ليتحول إنقاذها من مسألة دقائق إلى معركة أيام. لم تكن الركن استثناء، ولن تكون على الأرجح آخر قرية تعيش هذا السيناريو ما لم تُفرض معايير واضحة لتبطين هذه الآبار أو ردمها بالكامل.

يستحضر كثير من الجزائريين، وهم يتابعون تفاصيل عملية الإنقاذ في الركن، مشهدا مشابها عاشه المغاربة قبل أربع سنوات، حين قضى الطفل ريان، خمس سنوات، خمسة أيام حبيسا في بئر مماثل قبل أن يُنتشل جثة هامدة أيضا. الحادثتان، رغم المسافة الجغرافية والزمنية بينهما، تكشفان النمط ذاته: بئر جاف قرب منزل عائلي، طفل يعبر بجانبه في لحظة عادية، وبنية تقنية للبئر تحوّل أي محاولة إنقاذ إلى سباق ضد الزمن يخسره غالبا المنقذون مهما بلغت خبرتهم أو عدد معداتهم.

في الركن، لم تعد الحياة اليومية كما كانت قبل الأربعاء الماضي. الأهالي الذين شاركوا في الحفر بأيديهم إلى جانب فرق الحماية المدنية يعرفون الآن أن البئر الذي كان جزءا من مشهد الحقل المألوف يمكن أن يبتلع طفلا في ثوانٍ، وأن إخراجه قد يستغرق أياما لا تُحتسب بالساعات بل بعمق التربة وقسوة الصخر. وأمّ أيوب وأبوه، اللذان تبادلا معه آخر الكلمات عبر فوهة ضيقة لا تتجاوز قطر ذراع، يحملان اليوم صمتا لا تفي به أي عبارة تعزية.

لا تملك الجزائر اليوم إحصاء علنيا دقيقا لعدد الآبار الارتوازية الجافة أو المهجورة المنتشرة في أريافها، ولا معايير إلزامية موحدة لتبطينها أو تغطيتها، وهو فراغ في المعلومة والتنظيم لا يقل خطورة عن غياب أغطية محكمة فوق فوهاتها. غياب هذا الإحصاء يعني أن كل بلدية تكتشف مخاطرها بالطريقة الأصعب: بعد وقوع حادثة، لا قبلها.

ما تبقى من قصة أيوب ليس سؤالا عن المسؤول، بل عن العدد الحقيقي للآبار المشابهة المنتشرة بين المنازل والحقول الجزائرية، وعن السرعة التي يمكن أن تتوفر بها، في المرة المقبلة، معدات حفر مسبقة الجاهزية بدل الاستعانة بها بعد وقوع الكارثة.


المصادر

  1. La Libre – “Algérie: un enfant de 10 ans tombé dans un puits retrouvé mort”
    https://www.lalibre.be/international/afrique/2026/09/05/un-enfant-de-10-ans-tombe-dans-un-puits-retrouve-mort-en-algerie–4Z5GMTQ3YJAF3ODEMTVOIWN3LY/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  2. Afrik.com – “Algérie : le petit Ayoub retrouvé mort après quatre jours pris au piège dans un puits à El Bayadh”
    https://www.afrik.com/algerie-le-petit-ayoub-retrouve-mort-apres-quatre-jours-pris-au-piege-dans-un-puits-a-el-bayadh – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  3. Le Matin d’Algérie – “El Bayadh : l’opération de sauvetage d’Ayoub continue pour le 4e jour”
    https://lematindalgerie.com/el-bayadh-loperation-de-sauvetage-dayoub-continue-pour-le-4e-jour/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  4. Awras.net – “Le sauvetage du jeune Ayoub se poursuit pour le quatrième jour consécutif”
    https://www.awras.net/le-sauvetage-du-jeune-ayoub-se-poursuit-pour-le-quatrieme-jour-consecutif.html – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026
  5. Tunisie Numérique – “Algérie – « Papa, sors-moi de là » : l’appel bouleversant d’Ayoub depuis un puits de 80 mètres”
    https://www.tunisienumerique.com/algerie-papa-sors-moi-de-la-lappel-bouleversant-dayoub-depuis-un-puits-de-80-metres/ – تم الاطلاع عليه في 6 سبتمبر 2026

ليلى منصور – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصور
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة