الرئيسيةحقوق الإنسانالحرياتعبدالرحمن القرضاوي: لماذا لا يُغلق العفو الرئاسي ملف حقوق الإنسان في قضيته؟

عبدالرحمن القرضاوي: لماذا لا يُغلق العفو الرئاسي ملف حقوق الإنسان في قضيته؟

أصدر رئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، عفواً رئاسياً الجمعة عن الشاعر المصري عبدالرحمن يوسف القرضاوي، بعد أقل من أسبوعين على صدور حكم بسجنه عشر سنوات في قضية نظرتها دائرة الجرائم الإلكترونية بمحكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية. لكن العفو يأتي بعد نحو عشرين شهراً من احتجاز أحاطت به منظمات حقوقية دولية وخبراء أمميون بمخاوف من الاختفاء القسري وانعدام الشفافية، وهي المخاوف التي لا يبدو أن قرار الإفراج يجيب عنها بالكامل.

يهم هذا الملف لأنه يتقاطع مع سابقة نادرة الوضوح في العلاقات العربية البينية: بلد عربي، لبنان، يسلّم مواطناً محتجزاً إلى بلد عربي آخر، الإمارات، رغم تحذيرات معلنة من مقررين أمميين مستقلين من خطر التعذيب والإخفاء القسري. يطرح الملف أيضاً سؤالاً أوسع عن حدود حرية التعبير في المنطقة، بعدما استندت التهم في جانب منها إلى تصريحات أدلى بها القرضاوي في مسجد بدمشق عقب سقوط نظام بشار الأسد. والعفو الرئاسي، وإن أنهى شطراً من محنته القضائية، لا يوضح شيئاً عن ظروف احتجازه طوال عشرين شهراً، ولا عن مصير الضمانات التي قدمتها أبوظبي لبيروت قبل التسليم.

من دمشق إلى معبر المصنع: كيف بدأت القضية

سافر عبدالرحمن يوسف القرضاوي، نجل رجل الدين الراحل يوسف القرضاوي والحامل للجنسية التركية، إلى دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2024 للاحتفال بسقوط نظام بشار الأسد. صوّر خلال الزيارة مقطعاً من داخل الجامع الأموي تضمن تصريحات اعتُبرت مسيئة لمصر ودول خليجية، بحسب ما نقلته سي إن إن بالعربية. وفي 28 كانون الأول/ديسمبر 2024، أوقفته السلطات اللبنانية عند معبر المصنع الحدودي أثناء عودته إلى بيروت، استناداً إلى طلب تسليم وصفته منظمة منّا لحقوق الإنسان بأنه صادر عن النيابة العامة الإماراتية عبر السفارة الإماراتية في بيروت.

وبحسب يورونيوز بالعربية، استجابت حكومة رئيس الوزراء آنذاك نجيب ميقاتي لطلب التوقيف بناءً على اتهامات بـ”نشر أخبار كاذبة وإثارة القلق العام”. كانت الإمارات قد وزّعت مذكرة توقيف بحقه عبر مجلس وزراء الداخلية العرب، وهي هيئة إقليمية معنية بالتعاون الأمني بين الدول العربية.

تحذيرات أممية لم توقف الترحيل

في 6 كانون الثاني/يناير 2025، وجّه عدد من أصحاب الولايات في الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة نداءً عاجلاً إلى الحكومة اللبنانية، معربين عن قلقهم من احتمال تعرّض القرضاوي للتعذيب أو سوء المعاملة أو الاختفاء القسري في حال ترحيله إلى مصر أو الإمارات، بحسب ما أوردته أخبار الأمم المتحدة. دعا الخبراء السلطات اللبنانية إلى إعادة النظر في القضية ورفض التسليم، تماشياً مع التزامات لبنان بموجب القانون الدولي لمنع التعذيب.

رغم هذا التحذير، أصدر مجلس الوزراء اللبناني في 8 كانون الثاني/يناير 2025 قراراً بالموافقة على ترحيل القرضاوي إلى الإمارات، استناداً إلى تأكيدات قدمتها الحكومة الإماراتية للبنان بأنه سيُعامَل وفق المعايير الدولية وأن سلامته ستكون مضمونة. هذا التناقض بين تحذير أممي موثق من مخاطر محددة، وقرار حكومي استند إلى ضمانات لم يُكشف عن آلية التحقق منها، هو ما أبقى الملف مفتوحاً أمام المتابعة الحقوقية طوال الأشهر التالية.

عشرون شهراً من انقطاع شبه كامل بالتواصل

منذ تسليمه إلى الإمارات، لم تتمكن أسرة القرضاوي ومحاموه من التواصل معه إلا في مناسبتين، بحسب توثيق منظمة منّا لحقوق الإنسان: زيارتان عائليتان قصيرتان في آذار/مارس وآب/أغسطس 2025، لم تتجاوز مدة كل منهما عشر دقائق، جرتا في مكان غير معلن. لم تُفصح السلطات الإماراتية خلال هذه الفترة عن مكان احتجازه أو وضعه القانوني بشكل رسمي ومفصل.

في شباط/فبراير 2025، وقّعت 43 منظمة حقوقية بياناً مشتركاً طالبت فيه بالإفصاح عن مكان احتجاز القرضاوي ووضعه القانوني وظروف اعتقاله، وذلك تماشياً مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والتزامات الإمارات بضمان إجراءات المحاكمة العادلة. كما حذّرت منظمة العفو الدولية، في كانون الثاني/يناير من العام نفسه، من تسليمه إلى مصر أو الإمارات، معتبرة أن انتقاد السلطات لا ينبغي أن يكون جريمة، وأنه قد يواجه مخاطر الاحتجاز التعسفي وسوء المعاملة والمحاكمة غير العادلة.

لا تُعدّ قضية القرضاوي استثناءً في سجل الإمارات الحقوقي. وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقاريرها العالمية منذ عام 2016، نمطاً متكرراً من الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري بحق منتقدي السياسات الرسمية، من بينهم الناشط الإماراتي أحمد منصور، المحتجز منذ 2017 بعد إدانته وفق قوانين مشابهة لتلك التي استُند إليها في قضية القرضاوي.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، بمناسبة مرور عام كامل على توقيفه، وصفت منظمة منّا لحقوق الإنسان حالة القرضاوي بأنها إخفاء قسري ناتج عن تواطؤ بين دولتين وتقاعس دبلوماسي من الجانب التركي. دعا ناشطون حقوقيون، في المناسبة نفسها، أنقرة إلى تحرك دبلوماسي أوضح لمتابعة قضية مواطنها. لم يصدر عن الحكومة التركية حتى صدور العفو أي إعلان رسمي عن نتيجة تحرك من هذا النوع.

من الإدانة الجنائية إلى العفو الرئاسي

قضت محكمة أبوظبي الاتحادية الاستئنافية، دائرة الجرائم الإلكترونية، في 27 آب/أغسطس 2026 بإدانة القرضاوي وسجنه عشر سنوات، إلى جانب تغريمه 200 ألف درهم. لم تنشر السلطات الإماراتية تفاصيل كاملة عن طبيعة الجرائم المسندة إليه، مكتفية بالإشارة العامة إلى قضية إلكترونية. وبعد أقل من أسبوعين، أعلنت وكالة أنباء الإمارات، في بيان نُشر يوم الجمعة 4 سبتمبر 2026، صدور “عفو صاحب السمو رئيس الدولة عن المحكوم عليه عبدالرحمن يوسف القرضاوي”، مع الإشارة إلى أن الإجراءات اللازمة لتنفيذ العفو قد اتُخذت بالفعل.

هذا التناقض بين رواية رسمية تتحدث عن إدانة جنائية اكتملت إجراءاتها القضائية، ورواية حقوقية توثق عاماً كاملاً ونصف العام من انقطاع الاتصال دون توضيح رسمي لمكان الاحتجاز، هو ما يبقي الملف مفتوحاً رغم صدور العفو.

ما الذي لا يزال غير معروف

حتى مساء الجمعة، لم تعلن السلطات الإماراتية موعداً محدداً للإفراج الفعلي عن القرضاوي. لم يصدر أيضاً أي تعليق من عائلته أو محاميه بشأن مكان تواجده الحالي أو حالته الصحية، ولم يتضح ما إذا كان سيُسمح له بمغادرة البلاد إلى تركيا. يبقى العفو الرئاسي، في هذه المرحلة، إغلاقاً لملف قضائي دون أن يكون بالضرورة إغلاقاً للأسئلة الحقوقية التي رافقت القضية منذ توقيف القرضاوي عند معبر المصنع قبل عشرين شهراً.


المصادر

  1. سي إن إن بالعربية – “الإمارات.. عفو رئاسي عن عبدالرحمن نجل يوسف القرضاوي”
    https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2026/09/04/abdulrahman-alqaradawi-release-emirates-presidential-decree – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  2. سكاي نيوز عربية – “الإمارات.. عفو رئاسي عن المحكوم عليه عبد الرحمن يوسف القرضاوي”
    https://amp.skynewsarabia.com/middle-east/1889955 – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  3. أخبار الأمم المتحدة – “خبراء أمميون يحثون لبنان على عدم تسليم عبد الرحمن القرضاوي إلى الإمارات”، 8 يناير 2025
    https://news.un.org/ar/story/2025/01/1137996 – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  4. منظمة منّا لحقوق الإنسان (MENA Rights Group) – ملف القضية و”عام على القبض على عبد الرحمن يوسف القرضاوي”
    https://menarights.org/ar/case/bd-alrhmn-ywsf-alqrdawy – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  5. يورونيوز بالعربية – “بعد 10 أشهر على اعتقاله.. دعوات للتحقيق في دور لبنان بتسليم عبد الرحمن القرضاوي للإمارات”، 2 نوفمبر 2025
    https://arabic.euronews.com/2025/11/02/al-qaradawi-lebanon-uae-extradition-detention-torture-united-nations-httpscmseur – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026
  6. هيومن رايتس ووتش – تقارير عالمية سنوية عن الإمارات (2016-2023)، قضية أحمد منصور
    https://www.hrw.org/ar/news/2021/11/21/380452 – تم الاطلاع عليه في 4 سبتمبر 2026

ليلى منصور – مجلة الاحرار

اسأل الذكاء الاصطناعي عن هذا المقال

شكرًا على قراءة المقال. اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية لتتلقى ملخصًا يوميًا لأحدث الأخبار.

ليلى منصور
ليلى منصور
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_img

ملفات الأحرار

الأكثر شهرة