الأمن الغذائي العربي بالأرقام: لماذا يبقى الغذاء والماء من نقاط الضعف الاستراتيجية في المنطقة؟

تراجع الجوع عالميا للعام الثالث على التوالي، لكن الأرقام التي تكشفها أحدث التقارير الدولية لا تسمح بالاطمئنان. ففي عام 2025 ظل نحو 645 مليون إنسان يعانون الجوع، وواجه 2.1 مليار شخص انعداما متوسطا أو شديدا في الأمن الغذائي، فيما بقيت كلفة الغذاء الصحي خارج قدرة نحو 2.7 مليار شخص. وفي الدول العربية تبدو المشكلة أكثر تعقيدا: ندرة شديدة في المياه والأراضي الصالحة للزراعة، اعتماد واسع على الاستيراد، نزاعات ممتدة، وتفاوت كبير في القدرة على تحمل الصدمات.

لم يعد السؤال في العالم العربي هو ما إذا كانت المنطقة قادرة على إنتاج كل ما تستهلكه من غذاء. ففي واحدة من أكثر مناطق العالم ندرة في المياه، قد يكون السعي إلى الاكتفاء الذاتي الكامل غير واقعي، بل ومكلفا بيئيا في بعض الحالات. السؤال الأكثر أهمية هو: كيف يمكن ضمان وصول الغذاء إلى مئات الملايين من السكان عندما تتعرض التجارة أو المناخ أو العملات أو الموارد المائية أو الاستقرار السياسي لصدمة؟

هذا هو التحول الذي تكشفه التقارير الدولية الجديدة. فقد وضع تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026» (SOFI 2026) كلفة النظام الغذائي الصحي في قلب النقاش العالمي، بينما خصص برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دراسة جديدة للعلاقة بين النظم الزراعية والغذائية والأمن الغذائي والتنمية البشرية في الدول العربية. وعند قراءة التقريرين معا، تظهر مشكلة أعمق من نقص إنتاج الحبوب: الأمن الغذائي العربي مرتبط في الوقت نفسه بالماء، والتجارة الخارجية، والقدرة الشرائية، والاستقرار السياسي، وكفاءة الزراعة وقدرة الدول على امتصاص الصدمات.

لماذا هذا مهم؟

لأن الغذاء في الدول العربية ليس مجرد ملف زراعي. ارتفاع سعر القمح في الأسواق الدولية قد يتحول إلى ضغط على الموازنة في دولة تدعم الخبز. وانخفاض قيمة العملة قد يجعل الغذاء أغلى حتى عندما تنخفض الأسعار العالمية. والجفاف قد يقلص المحصول المحلي ويزيد الحاجة إلى الاستيراد في الوقت نفسه. أما الحرب، فيمكن أن تدمر الإنتاج والنقل والأسواق والدخل دفعة واحدة. الأمن الغذائي، بهذا المعنى، هو قدرة النظام كله على الاستمرار، وليس كمية القمح التي تنتجها الدولة فقط.

العالم في 2026: تحسن في الجوع لا يلغي الأزمة

يحمل تقرير SOFI 2026 مفارقة مهمة. فقد تراجع الجوع عالميا للعام الثالث على التوالي. وتشير تقديرات التقرير إلى أن نحو 645 مليون شخص عانوا الجوع في 2025، أي 7.8 في المئة من سكان العالم. وهذا أقل بنحو 14 مليون شخص مقارنة بعام 2024، وبنحو 43 مليونا مقارنة بذروة 2022.

كما تراجع عدد الذين واجهوا انعداما متوسطا أو شديدا في الأمن الغذائي إلى نحو 2.1 مليار شخص، بانخفاض يقارب 86 مليونا خلال عام. لكن المشكلة لم تعد تتعلق فقط بالحصول على سعرات حرارية تكفي لمنع الجوع. يضع تقرير 2026 سؤالا آخر في الواجهة: هل يستطيع الناس شراء غذاء صحي ومتنوع؟ وبالنسبة إلى نحو 2.7 مليار إنسان في العالم لا يزال الجواب سلبيا.

أرقام لا ينبغي الخلط بينها

645 مليون شخص هو تقدير عدد من عانوا الجوع أو نقص التغذية المزمن عالميا في 2025. و2.1 مليار شخص هو عدد من واجهوا انعداما متوسطا أو شديدا في الأمن الغذائي عالميا في العام نفسه. أما 2.7 مليار شخص فهو تقدير عدد من لم يستطيعوا تحمل كلفة نظام غذائي صحي. هذه ليست ثلاثة تقديرات للظاهرة نفسها، ولا يجوز جمعها.

وماذا عن العالم العربي؟

تكشف أحدث البيانات الإقليمية المتاحة أن الأزمة العربية أكبر بكثير من حالات المجاعة التي تتصدر الأخبار. فبحسب الاستعراض الإقليمي للأمن الغذائي والتغذية 2025، بلغ عدد من عانوا الجوع في الدول العربية نحو 77.5 مليون شخص في 2024، أي 15.8 في المئة من السكان. وعندما نستخدم المقياس الأوسع لانعدام الأمن الغذائي المتوسط أو الشديد، يرتفع العدد إلى قرابة 198 مليون شخص، أي نحو أربعة من كل عشرة أشخاص.

وهذه أرقام تخص المنطقة العربية ومرجعيتها الزمنية 2024، بينما أرقام 645 مليونا و2.1 مليار و2.7 مليار الواردة في SOFI 2026 هي أرقام عالمية أحدث. الفصل بين المستويين ضروري حتى لا تتحول المقارنة إلى خلط إحصائي. لكن دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادرة في يوليو 2026 تساعد على تفسير لماذا تبقى المنطقة العربية معرضة لهذه المخاطر. فالمنطقة تجمع بين ثلاث نقاط ضعف كبرى: ندرة الأراضي الصالحة للزراعة، شح المياه، والتعرض المرتفع لصدمات استيراد الغذاء.

الماء قبل القمح: نقطة الضعف التي تبدأ منها المعادلة

تبدو المفارقة واضحة: لكي تقلل دولة اعتمادها على استيراد الغذاء، قد تحاول إنتاج المزيد محليا. لكن إنتاج المزيد من الغذاء يحتاج إلى المزيد من المياه، في منطقة تعد أصلا من أكثر مناطق العالم ندرة مائية.

وهنا يلتقي الأمن الغذائي مباشرة بملف أزمة المياه في المغرب العربي وأفريقيا. فالزراعة هي أكبر مستخدم للمياه في المنطقة؛ وتشير الفاو إلى أن الزراعة تستحوذ على نحو 85 في المئة من سحوبات المياه العذبة في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا. ومع ارتفاع درجات الحرارة وتكرار الجفاف والضغط على المياه الجوفية، يصبح توسيع المساحات المزروعة دون تغيير تقنيات الري والمحاصيل خيارا مكلفا. لهذا لا يعني تحقيق الأمن الغذائي بالضرورة إنتاج كل الغذاء محليا. ففي بعض البيئات شديدة الجفاف، قد يكون استيراد بعض المحاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه أكثر استدامة من إنتاجها محليا، شرط ألا يتحول الاعتماد على الخارج إلى تبعية لمصدر واحد أو إلى عبء يفوق قدرة الدولة المالية.

الاعتماد على الاستيراد: ضعف استراتيجي أم خيار عقلاني؟

تستورد الدول العربية كميات ضخمة من القمح والحبوب والزيوت والسكر والأعلاف وغيرها من المنتجات الزراعية. لكن الاعتماد على الاستيراد ليس خطرا بالدرجة نفسها في كل مكان. فالدول التي تمتلك العملة الصعبة والمخزونات والموانئ وشبكة واسعة من الموردين تستطيع امتصاص جزء أكبر من الصدمات. أما الدول التي تجمع بين عجز مالي وعملة ضعيفة واحتياطات محدودة واعتماد مرتفع على سلعة أو مورد خارجي، فتكون أكثر تعرضا.

وقد قدمت الحرب الروسية الأوكرانية نموذجا واضحا لما يمكن أن يحدث عندما تضرب صدمة جيوسياسية سوق الحبوب. كما يوضح ملف إل نينيو وأسعار الغذاء العربية كيف يمكن لصدمة مناخية بعيدة جغرافيا أن تنتقل عبر أسواق الحبوب والطاقة والأسمدة إلى المنطقة. لذلك لا يقاس الأمن الغذائي بنسبة الاكتفاء الذاتي وحدها. يمكن لدولة تستورد جزءا كبيرا من احتياجاتها أن تكون أكثر أمنا من دولة أقل اعتمادا على الخارج، إذا كانت الأولى تمتلك احتياطيات وتمويلا ومخزونات وموردين متعددين.

من السودان إلى غزة واليمن: عندما تتحول الهشاشة إلى جوع حاد

هناك فرق أساسي بين الهشاشة الغذائية البنيوية وبين الجوع الذي تسببه الحروب. في السودان واليمن والأراضي الفلسطينية، لا تعمل الآليات الاقتصادية الطبيعية بالطريقة نفسها التي تعمل بها في البلدان المستقرة. الحرب لا تقلل الإنتاج الزراعي فحسب. إنها قد تمنع الفلاح من الوصول إلى أرضه، وتدمر الطرق والأسواق ومخازن الحبوب، وتقطع الرواتب والدخل، وتمنع المساعدات من الوصول إلى السكان. وهذا يوضح أحد المبادئ الأساسية للأمن الغذائي: توفر الغذاء لا يعني بالضرورة القدرة على الحصول عليه.

كلفة الغذاء الصحي: الأزمة الأقل ظهورا

هذا هو الجانب الذي يضعه SOFI 2026 في مركز النقاش. فالنقاش العربي حول الغذاء يتركز عادة على الخبز والسكر والزيت والحبوب. وهي سلع أساسية، لكنها لا تكفي وحدها لقياس جودة التغذية. يمكن لأسرة أن تحصل على ما يكفي من السعرات الحرارية، لكنها لا تستطيع شراء اللحوم أو الأسماك أو الفاكهة أو الخضروات أو منتجات الألبان بالقدر الكافي. وهكذا يمكن أن يتعايش نقص العناصر الغذائية مع السمنة والأمراض المرتبطة بنمط التغذية داخل المجتمع نفسه.

لذلك ينقل تقرير 2026 النقاش من سؤال «هل يوجد ما يكفي من الطعام؟» إلى سؤال أكثر تعقيدا: هل يستطيع الناس شراء طعام صحي؟

الخبز المدعوم: لماذا يصعب إصلاح النظام؟

لا يمكن فصل الأمن الغذائي العربي عن منظومات الدعم. فالخبز تحديدا يحمل ثقلا اجتماعيا وسياسيا استثنائيا في دول عربية عدة. وعندما ترتفع أسعار القمح أو النقل أو الطاقة، أو تتراجع قيمة العملة الوطنية، ترتفع كلفة الحفاظ على السعر المدعوم. وإذا تحملت الدولة الفرق، يزداد الضغط على الموازنة. وإذا نقلت الكلفة إلى المستهلك، قد ترتفع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي. لهذا لا يوجد حل بسيط بين إلغاء الدعم والإبقاء عليه. السؤال هو كيف يمكن حماية الفئات الأكثر هشاشة وتحسين كفاءة الدعم في الوقت نفسه.

ليست كل الدول العربية أمام المشكلة نفسها

دول النزاع تواجه أولا مشكلة الوصول الفعلي إلى الغذاء واستمرار الأسواق والمساعدات. والدول منخفضة ومتوسطة الدخل المستوردة للغذاء تواجه بصورة أكبر مشكلة الأسعار والعملات والدعم وفاتورة الاستيراد. أما الدول الخليجية فتواجه ندرة المياه والأراضي، لكنها تمتلك قدرة مالية ولوجستية أكبر على تأمين الإمدادات الخارجية. وتجمع دول المغرب العربي بين الاستيراد الواسع وإمكانات زراعية متفاوتة وضغط مائي متصاعد. لهذا لا توجد سياسة عربية واحدة تصلح للجميع. لكن هناك هدفا مشتركا: بناء نظام غذائي يستطيع تحمل الصدمة التالية.

خمسة مفاتيح لأمن غذائي عربي أكثر صلابة

أولها تنويع مصادر الاستيراد حتى لا تعتمد الدول بصورة مفرطة على دولة أو ممر تجاري واحد. وثانيها تحسين كفاءة استخدام المياه في الزراعة. وثالثها اختيار ما ينبغي إنتاجه محليا بعناية بدلا من مطاردة اكتفاء ذاتي رمزي في كل محصول. ورابعها بناء المخزونات وسلاسل الإمداد: الصوامع والموانئ والنقل والتبريد والإنذار المبكر جزء من الأمن الغذائي. وخامسها حماية قدرة الأسر على شراء الغذاء الصحي. فإذا كان الطعام موجودا لكن ملايين السكان لا يستطيعون شراءه، فإن المشكلة لم تحل.

ماذا تقول دراسة PNUD عن مستقبل النظم الغذائية العربية؟

تكمن أهمية الدراسة التي نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في يوليو 2026 في أنها لا تنظر إلى الزراعة باعتبارها قطاعا منفصلا، بل تربط بين الاقتصاد والبيئة وإنتاجية النظم الزراعية والغذائية والأمن الغذائي والتنمية البشرية، وتقترح مسارات لبناء نظم أكثر استدامة وقدرة على الصمود. فالسياسة الزراعية التي ترفع إنتاج محصول معين لكنها تستنزف المياه الجوفية قد تحقق مكسبا قصير الأجل وتخلق ضعفا طويل الأجل. والدعم الذي يحافظ على سعر سلعة لكنه لا يساعد على رفع الإنتاجية قد يحمي الاستهلاك دون معالجة أصل المشكلة. كما أن زيادة الإنتاج لا تكفي إذا كان جزء منه يضيع بسبب التخزين أو النقل أو ضعف سلاسل التبريد.

هل يستطيع العالم العربي تحقيق الاكتفاء الذاتي؟

إذا كان المقصود إنتاج كل ما يستهلكه السكان داخل الحدود الوطنية، فذلك ليس خيارا واقعيا لمعظم الدول العربية، وقد لا يكون دائما الخيار الأفضل حتى عندما يكون ممكنا تقنيا. فالمنطقة تعاني شحا شديدا في المياه، وبعض المحاصيل تحتاج إلى كميات ضخمة منها. استخدام مياه نادرة لإنتاج سلعة يمكن استيرادها بكلفة أقل قد لا يكون قرارا اقتصاديا أو بيئيا سليما. لكن هذا لا يعني القبول بالتبعية الغذائية. هناك فرق بين الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي. الأول يتعلق بمكان إنتاج الغذاء. أما الثاني فيتعلق بقدرة السكان على الحصول عليه باستمرار، سواء أنتج محليا أو استورد، وبقدرة النظام على تحمل الأزمات دون أن يتحول اضطراب عالمي إلى جوع محلي.

من الأمن الغذائي إلى الأمن المائي

لا يمكن وضع استراتيجية غذائية طويلة الأمد من دون استراتيجية للمياه. ولا يمكن توسيع الزراعة دون السؤال عن مصدر المياه، وكفاءة الري، واستدامة المخزون الجوفي، ونوع المحاصيل، وكلفة التحلية وإعادة استخدام المياه المعالجة. لهذا يرتبط ملف الأمن الغذائي في الوطن العربي مباشرة بملف أزمة المياه في المغرب العربي وأفريقيا. ففي العقود المقبلة، قد لا يكون التحدي الأكبر هو العثور على الأرض التي يمكن زراعتها، وإنما العثور على الماء الذي يسمح بزراعتها بصورة مستدامة.

ماذا تعني هذه الأرقام للمواطن؟

في النهاية، تصل كل هذه المؤشرات إلى المائدة. تظهر الأزمة عندما يصبح اللحم أو السمك أقل حضورا، وعندما تستبدل الأسرة الفاكهة والخضروات بمواد أرخص، أو عندما تستحوذ فاتورة الطعام على نسبة متزايدة من الدخل. وتظهر أيضا عندما تنفق الدولة مليارات إضافية على استيراد الحبوب، فتتقلص الموارد المتاحة للاستثمار في قطاعات أخرى. الأمن الغذائي ليس مؤشرا مجردا في تقرير أممي. إنه العلاقة اليومية بين الدخل والسعر والماء والإنتاج والتجارة والسياسة.

الخلاصة: المشكلة ليست أن العالم لا ينتج ما يكفي

تكشف أرقام 2026 مفارقة واضحة. العالم أحرز تقدما في خفض الجوع، لكنه لا يزال يضم 645 مليون إنسان يعانون منه، و2.1 مليار يواجهون انعداما متوسطا أو شديدا في الأمن الغذائي، ونحو 2.7 مليار لا يستطيعون تحمل كلفة غذاء صحي. أما في العالم العربي، فتضاف إلى المشكلة العالمية مجموعة من نقاط الضعف الخاصة: ندرة المياه والأراضي الزراعية، الاعتماد على الاستيراد، النزاعات، تقلب العملات والأسعار، والاختلاف الكبير في القدرات المالية بين الدول.

ولهذا فإن مستقبل الأمن الغذائي العربي لن يحسمه سؤال واحد من نوع «كم ننتج من القمح؟». السؤال الأهم هو: هل تستطيع الدول العربية بناء نظام غذائي قادر على توفير غذاء كاف وصحي لسكانها عندما تأتي الصدمة المقبلة؟


المصادر الرئيسية

  1. منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة وشركاؤها — حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026 (SOFI 2026)، 21 يوليو 2026.
  2. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي — Exploring linkages between agri-food systems and food security and prospects for human development in the Arab States، 16 يوليو 2026.
  3. منظمة الأغذية والزراعة — الاستعراض الإقليمي لحالة الأمن الغذائي والتغذية في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا 2025.

تم تحديث الملف في 5 سبتمبر 2026