كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الاثنين 13 يوليو 2026، استناداً إلى أربعة مسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، أن الموساد الإسرائيلي أدار على مدار سنوات عملية سرية لتجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد كأصل استخباراتي، تمهيداً لتنصيبه على رأس حكم بديل في حال سقوط النظام الحالي. غير أن مكتب أحمدي نجاد نفى الرواية بشكل قاطع، فيما لا يزال مصيره الفعلي محل جدل بعد ظهوره المفاجئ في جنازة المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي.
بحسب الصحيفة الأمريكية، بدأت الاتصالات السرية بين الجانبين مطلع عام 2024، حين وجّهت جامعة لودوفيكا للخدمة العامة في بودابست دعوة لأحمدي نجاد لحضور مؤتمر حول تغير المناخ. وأوضح رئيس الجامعة غيرغيلي ديلي لنيويورك تايمز أنه تلقى طلباً من مسؤول حكومي هنغاري رفيع لتنظيم الحدث، ليكتشف لاحقاً أن المؤتمر لم يكن سوى غطاء للقاءات غير معلنة بين الرئيس الإيراني الأسبق وضباط من الاستخبارات الإسرائيلية.
من بودابست إلى طهران: كيف تطورت القناة السرية
وبحسب مصادر أمريكية وإيرانية اطلعت عليها نيويورك تايمز، تطورت هذه القناة بسرعة خلال العام نفسه، إذ سافر رئيس الموساد آنذاك ديفيد برنيع شخصياً إلى العاصمة الهنغارية للقاء أحمدي نجاد. وأبلغ الموساد وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، عقب اللقاء مباشرة، بأنه نجح في إقامة قناة تواصل مباشرة معه. ويرى مسؤولون إسرائيليون سابقون، نقلت الصحيفة عنهم، أن هذا التطور كان لافتاً نظراً لسجل أحمدي نجاد المعروف بمعاداته الصريحة لإسرائيل خلال ولايتيه الرئاسيتين بين 2005 و2013، حين دعا مراراً إلى محو الدولة العبرية وأنكر المحرقة.
فما بدا حتى وقت قريب معادلة مستحيلة، تحوّل بالنسبة لتل أبيب إلى فرصة سياسية نادرة: استثمار الخلاف المتصاعد بين أحمدي نجاد والمرشد الأعلى لتفكيك شرعية النظام من الداخل. وتزامن هذا التقارب مع تنامي شكوك موازية داخل استخبارات الحرس الثوري نفسه، خصوصاً بعدما نشر الرئيس الأسبق سلسلة رسائل مفتوحة موجهة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فسّرتها دوائر أمنية إيرانية بأنها تجاوز لخطوط النظام الرسمية في التعامل مع واشنطن.
مدفوعات سرية ولقاءات متكررة خارج إيران
في السنوات التي تلت اللقاء الأول، قدّمت إسرائيل بحسب التحقيق دعماً مالياً غطى جزءاً من نفقات سكن وسفر أحمدي نجاد، إضافة إلى مدفوعات سرية وُجّهت إلى المتحدث باسمه علي أكبر جوانفكر. والتقى عملاء إسرائيليون بجوانفكر عدة مرات، بحسب مصادر الصحيفة، قبل أن تدخل العملية، التي أطلقت عليها الاستخبارات الإسرائيلية اسماً رمزياً يُترجم إلى العربية بـ”الأسد الهصور”، مرحلتها الحاسمة مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير 2026. ولم يصدر الموساد ولا جوانفكر أي تعليق حين طلبت الصحيفة ردهما.
غارة 28 فبراير ومخبأ سري داخل طهران
في اليوم الأول من الحرب، تعرّض مجمع أحمدي نجاد السكني في طهران لغارة إسرائيلية استهدفت مبنى حراسه وسيارته المصفحة، وهو اليوم نفسه الذي قُتل فيه المرشد الأعلى علي خامنئي في ضربة منفصلة. وفي خضم الفوضى التي أعقبت الضربة، أقلّته سيارة سوداء من طراز بيجو بعيداً عن الموقع، تبيّن لاحقاً أن من كان يقودها عملاء تابعون للموساد نقلوه إلى مخبأ سري داخل إيران، في إطار خطة كانت تهدف إلى تهيئته لدور سياسي بعد انهيار النظام. غادر أحمدي نجاد المخبأ لاحقاً في ظروف لم تتضح تفاصيلها، ولم يظهر علناً بعدها لأشهر.
لماذا قد يقبل رئيس عُرف بمعاداة إسرائيل بالتعاون معها؟
يستبعد عبد الرضا داوري، المستشار السابق لأحمدي نجاد الذي تحوّل لاحقاً إلى أحد منتقديه، أن يكون الدافع مالياً، موضحاً في مقابلة هاتفية مع نيويورك تايمز أن الرجل يملك أصلاً ثروة وشبكة اقتصادية واسعة، وأن ما يبحث عنه فعلياً هو العودة إلى موقع السلطة. وأضاف شخص آخر مقرّب منه، بحسب الصحيفة، أن أحمدي نجاد تحدّث سراً عن طموحه للعودة إلى الحكم بدعم خارجي، بعدما استُبعد ثلاث مرات متتالية من الترشح للانتخابات الرئاسية، وهو ما أفقده الثقة في النظام القائم. ونقلت الصحيفة عن المصدر ذاته أن أحمدي نجاد لمّح إلى استعداده لتطبيع العلاقات مع إسرائيل وفق نموذج قريب من اتفاقيات أبراهام، في حال عودته إلى السلطة.
الحرس الثوري يكتشف الخيط ويفرض المراقبة
بحسب المسؤولين الإيرانيين الأربعة الذين استندت إليهم نيويورك تايمز، توصلت أجهزة استخبارات الحرس الثوري إلى جزء كبير من اتصالات أحمدي نجاد السرية مع الجانب الإسرائيلي، وهو ما دفعها إلى وضعه تحت الإقامة الجبرية بإشرافها المباشر. ولم يظهر الرجل علناً منذ مغادرته المخبأ إلا في الأسبوع الأول من يوليو 2026، حين شوهد بين الحشود المشيّعة لجثمان خامنئي الذي دُفن في مدينة مشهد بعد مراسم استمرت أياماً. وبعد هذا الظهور مباشرة، أكد مسؤولون إيرانيون للصحيفة أن أحمدي نجاد يخضع فعلياً للمراقبة الأمنية.
نفي قاطع من مكتب الرئيس الأسبق
في المقابل، أصدر مكتب أحمدي نجاد بياناً وصف فيه التحقيق بأنه محاولة «تحريض على الفتنة»، ونفى بشكل قاطع خضوعه لأي إقامة جبرية، مؤكداً استمراره في ممارسة نشاطاته اليومية المعتادة بشكل طبيعي. واتهم البيان الصحيفة الأمريكية بنشر أخبار كاذبة، مشيراً إلى أنها كانت قد نشرت رواية مشابهة في مايو الماضي ضمن ما وصفه بحرب نفسية تستهدف الرأي العام الإيراني نظراً لشعبية أحمدي نجاد الواسعة. ولم تصدر السلطات الإيرانية الرسمية، حتى لحظة نشر هذا التقرير، أي موقف مستقل يؤكد أو ينفي مضمون التحقيق خارج بيان مكتب أحمدي نجاد نفسه.
تبقى تفاصيل كثيرة من هذه القصة غير مؤكدة بشكل مستقل، إذ لم تصدر الحكومة الإسرائيلية أو الموساد أي رد رسمي على مزاعم التحقيق حتى الآن. وفي ظل استمرار الحرب بين إسرائيل وإيران واستمرار الغموض حول موقع أحمدي نجاد الفعلي، تبقى الأنظار متجهة إلى ما إذا كانت طهران ستصدر موقفاً رسمياً منفصلاً عن بيان مكتبه، أو ما إذا كانت واشنطن ستعلّق بدورها على تحقيق وضع اسمها إلى جانب تل أبيب في مخطط تغيير النظام.
المصادر
- نيويورك تايمز – التحقيق الأصلي، 13 يوليو 2026 (غير متاح مباشرة، اطُّلع على مضمونه عبر المصادر الثانوية أدناه التي نقلت عنه) – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
- Jerusalem Post (صحيفة إسرائيلية) – “Former Iranian president Ahmadinejad under arrest by IRGC for work with Mossad”
https://www.jpost.com/middle-east/iran-news/article-902349 – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - RT Arabic (وسيلة إعلام روسية رسمية) – “مكتب أحمدي نجاد يرد على تقرير صحيفة نيويورك تايمز بشأن الإقامة الجبرية وعلاقته بالموساد”
https://rtarabic.com/world/1810256 – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - i24NEWS (قناة إخبارية إسرائيلية) – “Mossad secretly tried to recruit Iran’s former President Ahmadinejad in failed regime change plot”
https://www.i24news.tv/en/news/middle-east/iran-eastern-states/artc-mossad-secretly-tried-to-recruit-iran-s-former-president-ahmadinejad-in-failed-regime-change-plot-report – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - Shafaq News (وكالة أنباء عراقية) – “NYT: Iran detains Ahmadinejad under house arrest”
https://shafaq.com/amp/en/World/NYT-Iran-detains-Ahmadinejad-under-house-arrest – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - Al Jazeera (شبكة إعلامية قطرية) – خلفية عن مقتل ودفن المرشد الأعلى علي خامنئي
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/9/iran-prepares-to-bury-slain-leader-khamenei-after-mass-funeral-ceremonies – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
أحمد ناصر


