عقدت الولايات المتحدة والمكسيك وكندا في الأول من يوليو/تموز 2026 أول مراجعة مشتركة إلزامية لاتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة، من دون أن تعلن واشنطن تجديدها بصيغتها الحالية. وبينما تبقى الاتفاقية سارية المفعول، تتكاثر الخلافات حول قواعد المنشأ في صناعة السيارات، والطاقة، وسلاسل التوريد، بما قد يعيد رسم خريطة التجارة القارية وينعكس على حركة التجارة العالمية.
اجتمعت اللجنة التجارية المشتركة للاتفاقية، المكوّنة من وزراء تجارة الدول الثلاث، عبر الاتصال المرئي في الأول من يوليو/تموز الجاري، تنفيذاً للمادة 34.7 من نص الاتفاقية التي تُلزم الأطراف بمراجعة أدائها كل ست سنوات. وأصدر مكتب الممثل التجاري الأمريكي بياناً على لسان السفير جيمسون غرير جاء فيه أن واشنطن “لم توافق على تجديد الاتفاقية بصيغتها الحالية”، فيما أكدت كل من المكسيك وكندا رغبتهما في تمديدها ستة عشر عاماً إضافية. غير أن موقف واشنطن لا يعني انهيار الاتفاقية فوراً: فبحسب نص المادة 34.7.4، يفتح غياب الإجماع الباب أمام مراجعات سنوية متتالية تستمر حتى عام 2036، الموعد الذي تنتهي عنده الاتفاقية تلقائياً في حال تعذّر التوافق.
لماذا يشكّل الأول من يوليو محطة غير مسبوقة
حلّت الاتفاقية، المعروفة اختصاراً بـUSMCA في واشنطن وT-MEC في مكسيكو وCUSMA في أوتاوا، محل اتفاقية النافتا اعتباراً من الأول من يوليو 2020. وهي تغطي بحسب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) نحو 1.9 تريليون دولار من التبادل التجاري السنوي بين الدول الثلاث، وتشمل سوقاً تضم أكثر من 500 مليون نسمة تمثل قرابة 30 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتنفرد الاتفاقية عن سائر اتفاقيات التجارة الأمريكية بشرط “المراجعة الإلزامية”، وهو الأول من نوعه في أي اتفاق تجارة حر تبرمه الولايات المتحدة، بحسب تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس. فما كان يُفترض أن يكون إجراءً بروتوكولياً تحوّل، في ظل الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، إلى اختبار فعلي لمستقبل التكامل الاقتصادي في القارة.
غموض ترامب يطبع موقف واشنطن
لم يُخفِ ترامب تردده بشأن مصير الاتفاقية في الأسابيع التي سبقت المراجعة. فقد صرّح للصحافيين في العاشر من يونيو/حزيران “لا أعرف إن كنت سأجدد الاتفاقية”، قبل أن يضيف خلال زيارة له إلى باريس بعد أسبوع: «أفضّل ألا تكون الاتفاقية قائمة، لكنني قد أوقّع عليها». وفي المقابل، شدد الممثل التجاري غرير أمام الكونغرس على أن التمديد لن يكون “آلياً” ما لم تُعالَج ما وصفها بـ”الثغرات” الثنائية والثلاثية القائمة. أما مكسيكو وأوتاوا، فقد اتخذتا موقفاً معاكساً تماماً، إذ أعلنتا مراراً رغبتهما في استمرار الاتفاقية التي استفادتا منها بشكل خاص في مواجهة موجة الرسوم التي أطلقتها الإدارة الأمريكية منذ مطلع 2025.
المكسيك تراهن على الحفاظ على الاتفاقية وكندا تتريّث
تبنّت حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم مقاربة استباقية، إذ جعلت من صون الاتفاقية أولوية في سياستها الخارجية، مركّزة جهودها على ملفات السيارات والطاقة والزراعة. وفي هذا الإطار التقى الممثل التجاري غرير وزير الاقتصاد المكسيكي ماركيلو إبرارد في واشنطن في 18 مارس/آذار 2026 لإطلاق محادثات المراجعة الثنائية رسمياً، قبل أن تختتم الجولة الأولى من هذه المحادثات أواخر مايو/أيار حول قواعد المنشأ في صناعة السيارات وتجارة الصلب والألمنيوم. أما كندا فتبدو أكثر تحفظاً: أوضح وزير التجارة الكندي دومينيك لوبلان أن أولوية أوتاوا هي معالجة الرسوم القطاعية الأمريكية المفروضة على الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب، فيما أرسل في الأول من يونيو رسالة إلى نظيريه الأمريكي والمكسيكي أكدت استعداد بلاده لتمديد الاتفاقية ستة عشر عاماً.
قواعد المنشأ في صناعة السيارات في قلب الخلاف
يحتل قطاع السيارات موقع الصدارة بين الملفات الأكثر عرضة للتوتر، إذ يتوقع محللون في مجموعة BSI الاستشارية تشديد قواعد المنشأ وتكثيف عمليات التدقيق في سلاسل التوريد، خصوصاً مع تنامي المخاوف الأمريكية من تسلل مكونات صينية المنشأ عبر خطوط التجميع المكسيكية. ويسعى غرير، بحسب مجلس شيكاغو للشؤون العالمية، إلى توسيع نطاق قواعد المنشأ لتشمل سلعاً صناعية غير مرتبطة بالسيارات. وتبقى الطاقة جبهة توتر سياسي أكثر منها تقنية، إذ لا تتوقع التحليلات تعديلات جوهرية في بنودها بقدر ضغوط لمواءمتها مع توجهات واشنطن، فيما تتقاطع مع نزاع قائم بين واشنطن وأوتاوا حول وصول منتجات الألبان الكندية إلى السوق الأمريكية. وما يميّز هذه الجولة عن سابقاتها هو حضور الملف الصيني بقوة: فمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يعتبر أن محور المراجعة الفعلي هو كيفية تعامل القارة مع تنامي الدور الصيني داخل سلاسل التوريد الإقليمية.
من رسوم الطوارئ إلى رسوم المادة 122
سبقت المراجعة سلسلة من القرارات الجمركية غيّرت قواعد اللعبة. فقد استندت الإدارة الأمريكية بداية إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الدولية في حالات الطوارئ (IEEPA) لفرض رسوم بنسبة 25 % على السلع غير المتوافقة مع الاتفاقية، بذريعة أزمة تدفق المخدرات والهجرة، قبل أن تضيف رسوماً قطاعية على الصلب والألمنيوم ارتفعت من 25 % إلى 50 %، ثم رسماً بنسبة 50 % على النحاس اعتباراً من 30 يوليو/تموز 2025. غير أن المحكمة العليا الأمريكية قضت في فبراير/شباط 2026 بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة بأن قانون الطوارئ الاقتصادية لا يخوّل الرئيس فرض رسوم جمركية، ما أسقط الأساس القانوني للرسوم الواسعة المفروضة على المكسيك وكندا. وردّت الإدارة عبر تفعيل المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، ففرضت رسماً إضافياً بنسبة 10 % على السلع غير المتوافقة مع الاتفاقية اعتباراً من 24 فبراير 2026، مع إعفاء السلع المتوافقة معها بالكامل، على أن ينتهي هذا الرسم تلقائياً في 24 يوليو/تموز الجاري بموجب سقف قانوني مدته 150 يوماً. وقد دفع هذا المسار الشركات المكسيكية إلى تسريع امتثالها لشروط المنشأ، إذ ارتفعت، وفق تقديرات متخصصة في التتبع الجمركي، نسبة استخدام الصادرات المكسيكية لامتيازات الاتفاقية من 44.8 % في يناير 2025 إلى 85 % في يناير 2026.
ما الذي ستكشفه الأسابيع المقبلة
يرجّح محللون، من بينهم توني ستيلو من مؤسسة أكسفورد إيكونوميكس وفينا نادجيبولا من مؤسسة آسيا والمحيط الهادئ الكندية، أن تدخل الاتفاقية دورة مراجعات سنوية متتالية بدل التوصل إلى تمديد نظيف، وهو سيناريو يُبقي الشركات في حالة عدم يقين مستمرة. ويحذّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن انهيار الإطار المؤسسي للاتفاقية عند نهاية المهلة القانونية في 2036 سيعيد العلاقات التجارية القارية إلى قواعد منظمة التجارة العالمية، ما يضعف موقع أمريكا الشمالية التنافسي أمام الصين وأوروبا وآسيا. والمؤشر الأقرب زمنياً هو الجولة الثالثة من المفاوضات الثنائية الأمريكية المكسيكية، المقررة في مكسيكو سيتي خلال الأسبوع المبتدئ في 20 يوليو/تموز الجاري، من دون مشاركة كندا حتى الآن، في وقت لا تزال فيه الاتفاقية سارية بكامل امتيازاتها الجمركية.
المصادر
- مكتب الممثل التجاري الأمريكي (USTR) – بيان السفير جيمسون غرير حول المراجعة المشتركة للاتفاقية، 1 يوليو 2026
https://ustr.gov/about/policy-offices/press-office/press-releases/2026/july/ambassador-greer-issues-statement-usmca-joint-review – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - الجزيرة (Al Jazeera) – “If USMCA is not renewed, analysts expect uncertainty for businesses”، 28 يونيو 2026
https://www.aljazeera.com/economy/2026/6/28/if-usmca-is-not-renewed-analysts-expect-uncertainty-for-businesses – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) – “USMCA Review 2026”
https://www.csis.org/analysis/usmca-review-2026 – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - مكتب المحاماة وايت آند كيس (White & Case LLP) – “USMCA 2026 Joint Review: United States declines to extend Agreement, triggering annual reviews”
https://www.whitecase.com/insight-alert/usmca-2026-joint-review-united-states-declines-extend-agreement-triggering-annual – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS) – “USMCA Joint Review: Process and Role of Congress”، تقرير R48787
https://www.congress.gov/crs-product/R48787 – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - مجلس شيكاغو للشؤون العالمية (Chicago Council on Global Affairs) – “The USMCA Review: What to Keep in Mind and What to Watch for on North American Trade”
https://globalaffairs.org/commentary/analysis/usmca-review-what-keep-mind-and-what-watch-north-american-trade – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
يوسف عبد الله


