أعلنت الولايات المتحدة، الاثنين 13 يوليو 2026، إطلاق حملة دبلوماسية واسعة ضد المحكمة الجنائية الدولية، متوعدة بفرض عقوبات جديدة ومطالبة الدول الأطراف في نظام روما الأساسي بالانسحاب منه. يأتي هذا التصعيد في وقت تواجه فيه المحكمة ضغوطا متصاعدة منذ عام 2025 على خلفية ملاحقتها مسؤولين إسرائيليين وعسكريين أمريكيين.
جاء الإعلان على لسان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي اختار ثلاث وسائل متزامنة لتوجيه رسالته: مقطع فيديو نشره على منصة إكس، ومقال رأي في صحيفة “وول ستريت جورنال”، وبيان رسمي صادر عن وزارة الخارجية. وبحسب وكالة فرانس برس، قال روبيو إن المحكمة “تخوض حربا ضد بلاده لا بالرصاص بل بالقوانين والمعاهدات”، مضيفا أن خطرها “لم يتوقف عن التصاعد” وأنها باتت تهدد كل جوانب النظام السياسي والقانوني الأمريكي. من جهتها، أفادت صحيفة “لا برس” الكندية بأن وزارة الخارجية الأمريكية تدرس حاليا مجموعة واسعة من الإجراءات، من بينها حظر السفر وإلغاء التأشيرات وتشديد العقوبات على المحكمة والمنظمات المرتبطة بها، إضافة إلى ممارسة ضغط دبلوماسي على الدول الأعضاء لدفعها إلى الانسحاب ووقف دعمها المالي للمحكمة.
من الأمر التنفيذي إلى العقوبات المتتالية: مسار تصعيدي منذ فبراير 2025
لا تشكل حملة يوليو 2026 نقطة انطلاق مفاجئة، بل حلقة جديدة في مسار بدأ في فبراير 2025 حين وقّع الرئيس دونالد ترامب أمرا تنفيذيا يجيز فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة. أدانت المحكمة حينها هذا الأمر ووصفته بأنه محاولة للمساس باستقلاليتها. في يونيو من العام نفسه، وسّعت الإدارة الأمريكية قائمة العقوبات لتشمل أربعة قضاة إضافيين، هم نائبة الرئيسة الثانية رين أديلايد صوفي ألابيني غانسو من بنين، والقاضية سولومي بالونجي بوسا من أوغندا، والقاضية لوز ديل كارمن إيبانيز كارانزا من بيرو، والقاضية بيتي هوهلر من سلوفينيا، وذلك بعد استهداف المدعي العام كريم خان في وقت سابق.
تصاعدت العقوبات مجددا في ديسمبر 2025، حين أعلنت واشنطن، ثلاثة أيام فقط بعد قرار وصفته بأنه مجحف بحق إسرائيل، فرض عقوبات على قاضيين إضافيين هما غوتشا لوردكيبانيدزه وإردينبالسورين دامدين. شملت هذه الإجراءات إغلاق حساباتهما المصرفية وإلغاء بطاقاتهما وتقييد وصولهما إلى خدمات الإنترنت، ليرتفع بذلك عدد المسؤولين المنتخبين في المحكمة الخاضعين للعقوبات الأمريكية إلى إحدى عشرة شخصية، بحسب بيان رئاسة جمعية الدول الأطراف في نظام روما. وتحظر هذه العقوبات على القضاة المعنيين دخول الأراضي الأمريكية، وتجمّد أي معاملة عقارية أو مالية معهم داخل أكبر اقتصاد في العالم.
نتنياهو في قلب المواجهة… وثلاثة قضاة يقاضون واشنطن في نيويورك
تشكل ملفات إسرائيل المحرك الأساسي لهذا التصعيد. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية عام 2024 مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو قرار اعتبرته واشنطن انتهاكا مباشرا لسيادتها ولسيادة حليفتها الاستراتيجية. غير أن ملاحقة إسرائيل ليست وحدها في صلب الخلاف، إذ تشمل تحقيقات المحكمة أيضا اتهامات موجهة إلى عسكريين أمريكيين بارتكاب جرائم حرب في أفغانستان، وهو ما تعتبره الإدارة الأمريكية تجاوزا لصلاحيات المحكمة تجاه رعاياها.
في المقابل، انتقل الخلاف إلى ساحة القضاء الأمريكي نفسه. ففي يونيو 2026، رفع ثلاثة قضاة من المحكمة، من كندا وأوغندا وبنين، دعوى قضائية أمام محكمة فيدرالية في مانهاتن بنيويورك، معتبرين أن العقوبات المفروضة عليهم بسبب قرارات اتخذوها في إطار مهامهم القضائية غير قانونية. وشارك القضاة الثلاثة في قضايا حساسة تتعلق بالعمليات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وكذلك في الملف الأفغاني. تعكس هذه الدعوى، للمرة الأولى منذ إنشاء المحكمة عام 2002، محاولة قضاة دوليين الاحتكام مباشرة إلى القضاء الأمريكي لمواجهة عقوبات فرضتها حكومتهم.
ما الذي يتهدد استقلالية القضاء الدولي؟
لا يقتصر التصعيد الأمريكي على معاقبة أفراد بعينهم، بل يطرح تحديا مباشرا لمبدأ الاختصاص القضائي الدولي نفسه، في سابقة لم تشهدها العلاقة بين واشنطن ولاهاي منذ تأسيس المحكمة. فحين أعلنت رئاسة جمعية الدول الأطراف، في بيانها الصادر في ديسمبر 2025، أن هذه العقوبات المتتالية “تقوّض استقلالية المحكمة وسلامة نظام روما الأساسي”، كانت تشير إلى مخاوف تتجاوز الأفراد المستهدفين لتطال مصداقية آلية العدالة الدولية برمتها أمام 125 دولة طرفا فيها.
يضاف إلى ذلك أن دعوة واشنطن الدول الأعضاء إلى الانسحاب من نظام روما ووقف تمويل المحكمة، إذا ما لقيت استجابة من عدد كاف من الدول، قد تضعف القدرة التشغيلية للمحكمة على المدى المتوسط، حتى في الملفات التي لا تتعلق بإسرائيل أو الولايات المتحدة مباشرة. وهذا ما يفسر القلق الذي عبّرت عنه جهات أوروبية في مناسبات سابقة، حين اعتبرت عقوبات مماثلة، فرضت عام 2020 في عهد ترامب نفسه، سابقة خطيرة في العلاقة بين قوة عظمى ومؤسسة قضائية دولية.
مسار مفتوح بين الدعاوى القضائية والعقوبات الجديدة
يبقى مصير حملة يوليو 2026 مرتبطا بمسارين متوازيين. الأول قضائي، إذ ينتظر أن تبت المحكمة الفيدرالية في مانهاتن في دعوى القضاة الثلاثة خلال الأشهر المقبلة، في قضية قد تحدد لأول مرة موقف القضاء الأمريكي من شرعية العقوبات المفروضة على قضاة دوليين بسبب قرارات قضائية. أما المسار الثاني فيتعلق بالإجراءات الإضافية التي أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أنها تدرسها حاليا، من دون أن تكشف بعد عن قائمة نهائية للمسؤولين أو المنظمات المستهدفين بها.
في السياق ذاته، لم تعلق المحكمة الجنائية الدولية رسميا بعد على حملة 13 يوليو، مكتفية بمواقفها السابقة الرافضة للعقوبات الأمريكية المتكررة منذ 2025. ستحدد الأسابيع المقبلة ما إذا كانت واشنطن ستحوّل تهديداتها اللفظية إلى قرارات تنفيذية جديدة، وما إذا كانت الدول الأعضاء في نظام روما ستستجيب لدعوتها إلى الانسحاب.
المصادر
- وكالة فرانس برس (عبر France Info) – “واشنطن تشن هجوما حادا على المحكمة الجنائية الدولية”
https://www.franceinfo.fr/monde/usa/si-nous-restons-les-bras-croises-nous-serons-tous-a-la-merci-de-juges-etrangers-washington-s-en-prend-avec-force-a-la-cour-penale-internationale_8106458.html – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - لا برس (La Presse) – “روبيو يؤكد أن المحكمة الجنائية الدولية ‘تهدد’ الولايات المتحدة”
https://www.lapresse.ca/international/etats-unis/2026-07-13/rubio-affirme-que-la-cour-penale-internationale-menace-les-etats-unis.php – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - لوديفوار (Le Devoir) – “واشنطن تشن هجوما شاملا على المحكمة الجنائية الدولية”
https://www.ledevoir.com/monde/etats-unis/994526/gouvernement-trump-lance-offensive-tous-azimuts-contre-cour-penale-internationale – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - نادي الحقوقيين الفرنسي (Le Club des Juristes) – “الإدارة الأمريكية تعاقب قاضيين من المحكمة الجنائية الدولية”
https://www.leclubdesjuristes.com/en-bref/ladministration-trump-sanctionne-deux-juges-de-la-cour-penale-internationale-13437/ – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - رئاسة جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي (عبر GlobalSecurity.org) – بيان صحفي، 18 ديسمبر 2025
https://www.globalsecurity.org/military/library/news/2025/12/mil-251218-icc02.htm – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - كونيكسيون إيفوارين (Connectionivoirienne) – “ثلاثة قضاة من المحكمة الجنائية الدولية يقاضون الولايات المتحدة”
https://connectionivoirienne.net/2026/06/25/trois-juges-de-la-cpi-poursuivent-les-etats-unis-en-justice-pour-des-sanctions-jugees-illegales/ – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
ليلى منصور


