اجتمع في بروكسل هذا الأسبوع مسؤولو “مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى لجمع تعهدات جديدة لإعمار غزة. غير أن الفجوة بين هذه الترتيبات المؤسسية المعقدة وواقع سكان القطاع، الذين لا يزالون يواجهون المجاعة وانهيار المنظومة الصحية وتعطل الإعمار، تتسع يوما بعد آخر.
في 13 يوليو/تموز 2026، استضافت مجموعة المانحين الفلسطينيين اجتماعا في بروكسل ضم رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، والممثل السامي لمجلس السلام في غزة نيكولاي ملادينوف، وصهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر، ورئيس اللجنة الوطنية لإدارة غزة علي شعث. جمع الاجتماع 900 مليون يورو، أي نحو مليار دولار، من التعهدات لإعادة إعمار قطاع دمرته سنتان من القصف الإسرائيلي، في وقت تقدر فيه الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي كلفة الإعمار الكاملة بنحو 70 مليار دولار. والمفارقة أن رئيس اللجنة الفلسطينية المكلفة إدارة القطاع اليومية، علي شعث، حضر الاجتماع فيما هو “لا يزال غير قادر على الدخول” إلى غزة، بحسب وكالة أسوشيتد برس. Fox
هندسة دولية معقدة لإدارة قطاع لم تطأه اللجنة المكلفة به بعد
منذ توقيع خطة السلام الأمريكية في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، وإقرار مجلس الأمن الدولي القرار 2803 في 17 نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، تشكلت في غزة بنية حوكمة من ثلاث طبقات متداخلة. الطبقة الأولى هي “مجلس السلام”، الذي يرأسه ترامب بصلاحية تمتد حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2027 قابلة للتجديد، ويضم في مجلسه التنفيذي وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير وجاريد كوشنر ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا. الطبقة الثانية هي اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهي هيئة تكنوقراطية يرأسها المهندس الغزي علي شعث، وهو مسؤول سابق في السلطة الفلسطينية، ومقرها المؤقت القاهرة. أما الطبقة الثالثة، قوة الاستقرار الدولية، فما زالت حبرا على ورق: أربع دول وافقت على المساهمة بقوات، لكن الموافقات الإسرائيلية على اتفاقيات وضع القوات لم تصدر بعد، وتعارض إسرائيل تحديدا مشاركة تركيا وقطر.
ما تكشفه هذه الهندسة المؤسسية المعقدة هو أن السلطة على الورق لا تعني السلطة على الأرض. فاللجنة التي صُممت لإدارة غزة لم تدخلها بعد، والقوة التي صُممت لتأمينها لم تتشكل بعد، بينما تتوالى الاجتماعات في واشنطن وبروكسل والقاهرة.
حل حكومة حماس شكليا دون تفكيك نفوذها الفعلي
في 6 يوليو/تموز 2026، أعلنت حركة حماس حل الجهاز الذي حكمت به قطاع غزة قرابة عقدين، تمهيدا بحسب بيانها لتسليم الإدارة المدنية إلى اللجنة الوطنية. غير أن الحركة لم تشر صراحة إلى نزع سلاحها، واكتفت بالقول إنها مستعدة لتسليم الملف الأمني في إطار الانتقال إلى هيئة حكم جديدة. ورد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على الخطوة بوصفها “خدعة”، مشبها إياها بـ”نموذج حزب الله”: إدارة تكنوقراطية مكلفة بجمع النفايات والخدمات البلدية، بينما تحتفظ حماس بالسلاح والنفوذ الفعلي. وأكد مركز أبحاث أمريكي أن الموظفين التقنيين التابعين لحماس بقوا في مواقعهم، وأن عناصر من الحركة ما زالوا يشرفون على الأمن في أجزاء من القطاع، في وقت لم تستطع فيه اللجنة الوطنية ذات الثلاثة عشر عضوا تفكيك بنية بيروقراطية قائمة منذ عقدين بين ليلة وضحاها.
في المقابل، وسّع الجيش الإسرائيلي سيطرته العسكرية على القطاع لتبلغ نحو 64 في المئة من مساحته بحلول أبريل/نيسان 2026، بعدما وجّه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الجيشَ لرفع نسبة السيطرة إلى 70 في المئة.
فلسطينيون بلا صوت مستقل في تصميم مستقبلهم
بينما تتوزع صلاحيات القرار بين واشنطن وتل أبيب والقاهرة، يغيب صوت فلسطيني مستقل عن طاولة التفاوض الفعلية. لم يحضر سوى متحدث فلسطيني واحد، هو علي شعث، حفل إطلاق مجلس السلام في فبراير/شباط 2026. وتكشف وثائق داخلية من مفاوضات الصياغة أن النسخة التي قدمها المفاوضون الفلسطينيون نصت على أن تفضي العملية إلى “تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وفقا للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة”، في حين استعاضت نسخة الممثل السامي ملادينوف عن هذه الصياغة بعبارة أكثر غموضا هي “تهيئة الظروف لمسار موثوق” نحو تقرير المصير، بحسب موقع دروبسايت نيوز الاستقصائي.
السلطة الفلسطينية، التي مثّلها رئيس وزرائها محمد مصطفى في اجتماع بروكسل، لا تملك دورا تنفيذيا مباشرا في إدارة غزة حاليا، وإن كانت المقترحات الفلسطينية تطمح إلى ربط اللجنة الوطنية المؤقتة بمسار يعيد لاحقا توحيد إدارة الضفة الغربية والقطاع تحتها. وفي السياق ذاته، أعلن مجلس السلام أن “لا مكان لوكالة الأونروا في غزة الجديدة”، وهو موقف وصفته منظمات حقوقية بأنه تجاوز لصلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أنشأت الوكالة عام 1949.
مجاعة مؤكدة رسميا وشبكة صحية على حافة الانهيار
بعيدا عن أروقة التفاوض، يواجه أكثر من 1.6 مليون شخص، أي 77 في المئة من سكان القطاع، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بحسب أحدث تصنيف مرحلي متكامل استشهد به برنامج الأغذية العالمي. وسجل القطاع أول حالة مجاعة مؤكدة رسميا في منطقة الشرق الأوسط، مع تضاعف عدد الأطفال المعرضين لخطر سوء التغذية الحاد من 14100 في مايو/أيار إلى 43400 بحلول نهاية يونيو/حزيران 2026، وتضاعف عدد الحوامل والمرضعات المهددات بالخطر ذاته من 17 ألفا إلى 55 ألف امرأة خلال الفترة نفسها. ونقلت وكالات أممية عن نائب المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي كارل سكاو، بعد زيارة إلى مدينة غزة أوائل يوليو، وصفه الوضع بأنه “الأسوأ الذي رأيته منذ بداية الحرب”، مضيفا أن أشخاصا “يموتون وهم يحاولون فقط الحصول على الطعام”.
الصورة ليست أفضل حالا في القطاع الصحي، إذ فقدت غزة 76 في المئة من أجهزة التصوير الطبي، ودُمّرت أجهزة الرنين المغناطيسي التسعة جميعها. ووثقت منظمة الصحة العالمية 22 هجوما على منشآت صحية منذ بداية 2026 وحده، فيما يعاني مستشفى الشفاء من نقص في بيكربونات الصوديوم يهدد قدرته على إجراء غسيل الكلى لنحو 240 مريضا. الفارق بين هذا الواقع اليومي وخطاب “الانتقال المنظم” الذي يتداوله مجلس السلام هو ما يفسر تشكك منظمات إغاثية دولية في جدوى الهندسة المؤسسية الحالية ما لم تقترن بفتح المعابر وتمويل عاجل.
سبعون مليار دولار وسبع سنوات لرفع الركام وحده
يقدّر البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى إزالة 60 مليون طن من الركام، أي ما يعادل حمولة قرابة 3000 سفينة حاويات، وهي عملية ستستغرق أكثر من سبع سنوات إضافة إلى وقت أطول لإزالة الألغام. وفي فبراير/شباط 2026، أفاد رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو بأنه لم تُزَل سوى 0.5 في المئة من هذا الركام، في حين يعيش 90 في المئة من سكان غزة وسط الأنقاض. أما التعهدات المالية، من سبعة مليارات دولار أعلنها مجلس السلام في فبراير إلى مليار دولار أوروبي في يوليو، فتبقى بعيدة عن سد الفجوة، ناهيك عن أن جزءا كبيرا منها مشروط أصلا بحسم ملف نزع سلاح حماس، وهو ما لم يتحقق بعد.
انتقال السلطة في غزة، إذن، ليس مسألة توقيع اتفاق أو إعلان حل جهاز حكومي، بل سلسلة شروط متشابكة: نزع سلاح لم يبدأ، وقوة دولية لم تُنشر، ولجنة فلسطينية لم تدخل، وتمويل لم يصل.
يبقى مصير هذه الترتيبات رهينا بمفاوضات “خارطة الطريق” التي أعلن مجلس السلام في 6 يوليو/تموز أنه يعمل على استكمالها مع الأطراف المعنية، من دون سقف زمني واضح لدخول اللجنة الوطنية فعليا إلى القطاع أو لنشر قوة الاستقرار الدولية. وإلى أن يُحسم هذا الملف، سيظل سكان غزة الذين ينتظرون لقمة الخبز والدواء والسقف بعيدين عن طاولة قرار يُصاغ باسمهم أكثر مما يُصاغ معهم.
المصادر
- Associated Press (عبر Las Vegas Sun) — “EU rallies $1 billion in pledges for Gaza’s recovery”
https://lasvegassun.com/news/2026/jul/13/eu-rallies-1-billion-in-pledges-for-gazas-recovery/ — اطُلع عليه بتاريخ 14 يوليو 2026 - Al Jazeera — “What is the new Gaza administration as Hamas dissolves government?”
https://www.aljazeera.com/news/2026/7/7/what-is-the-new-gaza-administration-as-hamas-dissolves-government — اطُلع عليه بتاريخ 14 يوليو 2026 - World Food Programme — “Famine confirmed for first time in Gaza”
https://www.wfp.org/news/famine-confirmed-first-time-gaza — اطُلع عليه بتاريخ 14 يوليو 2026 - FDD’s Long War Journal — “Hamas announces intent to dissolve Gaza government as disarmament questions remain”
https://www.longwarjournal.org/archives/2026/07/hamas-announces-intent-to-dissolve-its-gaza-government-as-disarmament-questions-remain.php — اطُلع عليه بتاريخ 14 يوليو 2026 - Dropsite News — “Exclusive: Internal Documents Show Trump’s ‘Board of Peace’ Moving to Crush Palestinian Self-Determination”
https://www.dropsitenews.com/p/internal-proposals-palestine-hamas-gaza-trump-mladenov-israel-board-peace — اطُلع عليه بتاريخ 14 يوليو 2026 - UN Development Programme (عبر newsonair.gov.in) — “Humanitarian access to Gaza still insufficient for relief and rebuilding, says UN development chief”
https://www.newsonair.gov.in/humanitarian-access-to-gaza-still-insufficient-for-relief-and-rebuilding-says-un-development-chief — اطُلع عليه بتاريخ 14 يوليو 2026
أحمد ناصر


