الرئيسيةالأخبارالشرق الأوسطسوريا خارج قائمة الإرهاب الأميركية: ما الذي سيتغير فعلياً؟

سوريا خارج قائمة الإرهاب الأميركية: ما الذي سيتغير فعلياً؟

أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب نظيره السوري أحمد الشرع، خلال لقائهما في أنقرة يوم 8 يوليو/تموز 2026، بقراره رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بعد 47 عاماً من إدراجها عليها. القرار يدخل الآن في مراجعة إلزامية أمام الكونغرس مدتها 45 يوماً، فيما جزء كبير من آثاره الاقتصادية المرتقبة، من التحويلات المصرفية إلى الاستثمار، كان قد بدأ يتشكل قبل الإعلان بأشهر طويلة.

جاء الإعلان في رسالة سلّمها ترامب إلى الشرع عقب اجتماعهما الثنائي على هامش قمة حلف شمال الأطلسي في العاصمة التركية، وتعهد فيها الرئيس الأميركي بـ”إزالة جميع الحواجز التي تمنعكم من إعادة بناء بلدكم”، بحسب نص اطلعت عليه وكالة رويترز. في اليوم ذاته، أخطر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الكونغرس رسمياً ببدء إجراءات الشطب، في خطوة تنهي، إذا اكتملت، أطول تصنيف عقابي أميركي مفروض دون انقطاع على دولة عربية واحدة.

من حافظ الأسد إلى الشرع: نصف قرن على قرار واحد

وضعت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 29 كانون الأول/ديسمبر 1979، في عهد الرئيس حافظ الأسد، استناداً إلى صلاحية يمنحها قانون المساعدات الخارجية الأميركي لوزارة الخارجية لتصنيف الدول التي تقدّم دعماً متكرراً لأعمال إرهابية دولية. بقي هذا التصنيف قائماً عبر تعاقب الإدارات الأميركية، بل توسّعت العقوبات المرتبطة به بعد عام 2011 مع اندلاع الثورة السورية، عبر حزم منفصلة أبرزها “قانون قيصر” الذي استهدف شخصيات وكيانات مقرّبة من دمشق.

غيّر سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتولي أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية، مسار هذا الملف جذرياً. فخلال 17 شهراً، أنهت واشنطن برنامج عقوباتها الشامل على سوريا، وألغى الكونغرس “قانون قيصر” أواخر عام 2025، ورفعت وزارة الخارجية تصنيف “هيئة تحرير الشام” كمنظمة إرهابية أجنبية، وشطبت اسم الشرع نفسه من قائمة الإرهابيين العالميين المحدّدين ومن نظام عقوبات مجلس الأمن رقم 1267، بحسب ما وثّقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان. تصنيف الدولة الراعية للإرهاب كان، بذلك، آخر عقبة رمزية وقانونية متبقية من منظومة تضم أيضاً كوريا الشمالية وكوبا وإيران.

الكونغرس لا يُلغي التصنيف، لكنه يملك 45 يوماً لرفضه

يخضع شطب أي دولة من قائمة رعاة الإرهاب لمسارين قانونيين بموجب قانون المساعدات الخارجية. يقوم الأول على تقرير يفيد بعدم دعم الحكومة المصنَّفة للإرهاب خلال الأشهر الستة الماضية، بينما يُطبَّق الثاني عند حدوث “تغيير جوهري في قيادة وسياسات” الحكومة، ويستلزم كذلك تعهدات بعدم التكرار. في الحالتين، يجب إرسال إقرار رئاسي رسمي إلى الكونغرس، وهو ما فعله روبيو في 8 يوليو، لتنطلق فترة مراجعة إلزامية مدتها 45 يوماً قبل أن يدخل الإلغاء حيز النفاذ.

يقدّر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى أن مسار “التغيير الجوهري” هو الأكثر قابلية للدفاع عنه قانونياً في الحالة السورية، لأنه يستند إلى سجل أدلة موثّق يمتد على مدى عام ونصف. يستطيع الكونغرس، نظرياً، تمرير قرار مشترك بالرفض خلال هذه المهلة لمنع الشطب، غير أن مسؤولين أميركيين وصفوا هذا الاحتمال بـ”المستبعد”. في غياب أي اعتراض، يُنشر القرار النهائي في السجل الفيدرالي في حدود منتصف أغسطس/آب المقبل.

ما يزيله التصنيف تحديداً

يفرض إدراج بلد على قائمة رعاة الإرهاب أربعة أنواع من القيود، منفصلة عن برنامج العقوبات الاقتصادية العام: حظراً على المساعدات الخارجية الأميركية بموجب قانون المساعدات الخارجية، وحظراً على تصدير الأسلحة ومبيعات الدفاع بموجب قانون مراقبة تصدير الأسلحة، وضوابط مشددة على الصادرات ذات الاستخدام المزدوج، والتزاماً قانونياً يفرض على الممثلين الأميركيين في المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدولي معارضة أي قروض للدولة المصنّفة.

هذا التسلسل الزمني يكشف حقيقة أساسية: القرار السياسي المعلن في أنقرة يتوّج مساراً بدأ قبله بأشهر، لا يفتتحه. فبرنامج العقوبات الشامل كان قد أُنهي بأمر تنفيذي وقّعه ترامب الشهر الماضي، و”قانون قيصر” ألغي قبل ذلك، ما يعني أن أهم ما يبقى مرتبطاً فعلياً بشطب هذا التصنيف تحديداً يتعلق بتوريد السلاح لدعم الجيش السوري الجديد وبموقف واشنطن داخل المؤسسات المالية الدولية، أكثر من ارتباطه بالتحويلات المصرفية اليومية.

لماذا لا تتحول التحويلات والاستثمارات بين ليلة وضحاها

نفّذ مصرف سوريا المركزي أول عملية تحويل عبر نظام “سويفت” في 19 يونيو/حزيران 2025 عبر بنك “بيمو”، وبحلول أغسطس/آب من العام نفسه بدأت مصارف في تركيا وإيطاليا والسعودية وألمانيا وسويسرا وهولندا تُظهر خيار “مصرف سوريا المركزي” ضمن نظامها. غير أن رفع العقوبات، وحتى شطب التصنيف نفسه، لا يعيدان تلقائياً العلاقات المصرفية المراسلة، ولا خدمات التأمين، ولا شهية المخاطرة لدى البنوك الغربية، ولا الجدارة الائتمانية للمصارف السورية.

تعاقد المصرف المركزي ووزارة المالية السوريان مع شركة الاستشارات “أوليفر وايمان” لإجراء “تقييم فجوة” يقارن الواقع المصرفي السوري بالمعايير الدولية، تمهيداً لخارطة طريق لإعادة دمج القطاع في شبكة التحويلات العالمية، من المقرر أن تكتمل خلال صيف 2026. وفي نيسان/أبريل الماضي، دخلت دمشق مراحل نهائية لفتح حساب مصرفي مراسل لدى البنك المركزي التركي، وهو ما يوضح أن قناة التطبيع المالي الحقيقية تمر عبر شبكات مراسلة تُبنى تدريجياً، لا عبر توقيع واحد في واشنطن.

الفارق بين حسابات المؤسسات وحوالة الأسرة

يستفيد من هذا الانفتاح، حتى الآن، بشكل غير متكافئ. المستثمرون الأتراك والخليجيون، والمصارف التي تتحرك عبر حسابات مراسلة وترتيبات حكومية، يتقدمون بوتيرة أسرع من الأسر السورية التي لا تزال تواجه رفضاً من مصارف أجنبية عند محاولة التحويل عبر المصارف الوطنية، رغم التخفيف الجزئي المعلن للعقوبات. في المقابل، تراجع التمويل الإنساني الأميركي بشكل حاد خلال عام 2025، ما دفع منظمات إغاثية إلى التحذير من تقليص عيادات وبرامج غذاء وشبكات مياه، قبل أن تتدخل مؤسسات دولية بمنح جديدة لإعادة تأهيل خدمات المياه والصحة مطلع 2026.

المحطات المقبلة حتى نهاية المهلة القانونية

المهلة الممنوحة للكونغرس تنتهي في منتصف أغسطس/آب المقبل تقريباً، ومن غير المتوقع أن يعترض المشرعون على القرار. أحزاب سورية، من بينها حزب “السوري الحر”، طالبت باستغلال هذه الفرصة لتهيئة مناخ انتخابي حر وتعددي يضمن التداول السلمي للسلطة، في إشارة إلى أن مسار “التغيير الجوهري في القيادة والسياسات” الذي استندت إليه الإدارة الأميركية يبقى مشروطاً بمراجعة داخلية لسلوك الحكومة الجديدة. الموعد الآخر الذي يستحق المتابعة هو اكتمال خارطة الطريق المصرفية التي تعدها “أوليفر وايمان”، إذ إنها، لا القرار السياسي وحده، ستحدد متى تشعر الأسر السورية المعتمدة على حوالة شهرية من الخارج بأثر هذا التحول في حياتها اليومية.


المصادر

  1. سكاي نيوز عربية – “ترامب يبلغ الكونغرس بنيته رفع سوريا من قائمة الإرهاب” – https://www.skynewsarabia.com/middle-east/1879917 – تاريخ الاطلاع 14 يوليو 2026
  2. الشرق الأوسط – “ترمب يقرر رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب” – https://aawsat.com/العالم-العربي/المشرق-العربي/5293748 – تاريخ الاطلاع 14 يوليو 2026
  3. العربي الجديد – “سورية في قوائم الإرهاب الأميركية… أكثر من مجرّد توقيع” – https://www.alaraby.co.uk/supplements/سورية-في-قوائم-الإرهاب-الأميركية – تاريخ الاطلاع 14 يوليو 2026
  4. الشبكة السورية لحقوق الإنسان – “سوريا في قوائم الإرهاب الأميركية… أكثر من مجرّد توقيع” – https://snhr.org/arabic/2026/06/09 – تاريخ الاطلاع 14 يوليو 2026
  5. الحل نت – “لماذا تتعثر عودة سوريا إلى سويفت؟.. تعقيدات تتجاوز رفع العقوبات” – https://7al.net/2026/05/06/سويفت-3 – تاريخ الاطلاع 14 يوليو 2026
  6. عنب بلدي – “ماذا يعني رفع واشنطن لدمشق من قائمة الإرهاب؟” – https://www.enabbaladi.net/816219 – تاريخ الاطلاع 14 يوليو 2026

أحمد ناصر

أحمد ناصر
أحمد ناصرhttps://alahrar.net/
أحمد ناصر صحفي يهتم بالشؤون السياسية والعلاقات الدولية والتحولات الجيوسياسية في العالم العربي والشرق الأوسط. يتابع الملفات الدبلوماسية والأمنية والانتخابات والحياة الحزبية، ويعمل على تقديم قراءة هادئة للأحداث تربط بين الخبر وسياقه السياسي والتاريخي. يركز في مقالاته على تحليل مواقف الفاعلين الرئيسيين وتوضيح انعكاسات القرارات الدولية على المنطقة.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر شهرة