أقل من شهر بعد توقيعها، انهارت مذكرة تفاهم إسلام أباد بين واشنطن وطهران، وتحوّل مضيق هرمز من نقطة تهدئة موعودة إلى ساحة اشتباك يومي بين البحريتين الأميركية والإيرانية. يفكك هذا التقرير بنود المذكرة الأصلية، ويحلل نقاط الخلاف حول الملاحة والعقوبات والأصول المجمّدة، إضافة إلى مخاطر الانتقال من الضغط العسكري المتبادل إلى حرب مفتوحة.
في 28 فبراير/شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية على إيران استهدفت برنامجيها النووي والصاروخي، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، بحسب ما وثّقته مكتبة مجلس العموم البريطاني في تقريرها البحثي حول المفاوضات. ردّت طهران بهجمات على قواعد أميركية في المنطقة وعلى إسرائيل، وأغلقت مضيق هرمز، قبل أن يتوصل الطرفان في 8 أبريل/نيسان إلى هدنة مؤقتة برعاية باكستانية. تصاعدت المواجهة مجدداً في يونيو/حزيران، ووقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان عن بُعد، في 17 يونيو، مذكرة تفاهم من 14 بنداً حملت اسم “إسلام أباد”، قبل أن تعقد مراسم توقيع رسمية في سويسرا. غير أن هذا الإطار، الذي منح الطرفين ستين يوماً للتفاوض على اتفاق نهائي، بدأ يتصدّع بحلول أوائل يوليو/تموز، حين أعلن ترامب أن الهدنة “انتهت” عقب تبادل ضربات جديدة.
بنود مذكرة إسلام أباد: هدنة وُلدت ناقصة
نصّت المذكرة، وفق النسخة التي نشرتها شبكة “سي إن إن” من الوثيقة، على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات بما فيها لبنان، وعلى التزام الولايات المتحدة برفع حصارها البحري عن إيران تدريجياً خلال ثلاثين يوماً، وسحب قواتها من محيط الأراضي الإيرانية في المهلة ذاتها. في المقابل، تعهدت طهران، بموجب البند الخامس، ببذل “أقصى الجهود” لضمان مرور آمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة ستين يوماً فقط، وهي صياغة فسّرتها إيران لاحقاً على أنها اعتراف أميركي ضمني بحقها في إدارة الممر بكامله بعد انتهاء تلك المهلة، بحسب تحليل نشرته صحيفة “صنداي تايمز” الجنوب أفريقية. كما نصّ البند العاشر على أن تصدر وزارة الخزانة الأميركية إعفاءات تسمح بتصدير النفط الإيراني وما يرتبط به من خدمات مصرفية وتأمينية، فيما التزمت واشنطن بموجب البند الحادي عشر بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمّدة، على أن يتفق الطرفان على آليات الإفراج عنها أثناء المفاوضات. أما ملف اليورانيوم المخصّب، فقد تُرك بالكامل لمرحلة الاتفاق النهائي، ولم تحسمه المذكرة الإطارية.
نقطة الخلاف الأولى: من يتحكم بالملاحة في المضيق؟
منذ الأسابيع الأولى، تحوّل مضيق هرمز إلى الفصل الأكثر هشاشة في الاتفاق. أعلنت إيران تشكيل ما تسميه “هيئة مضيق الخليج الفارسي”، التي تدّعي حق التحكم بحركة الملاحة عبر الممر، وحذّرت من أن السفن التي تعبر خارج مساراتها المعتمدة لن تستفيد من ضمانات المرور الآمن، وفق ما أوردته “الجزيرة” نقلاً عن بيان الهيئة في 13 يوليو. في المقابل، رفضت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” هذا التموضع، وقالت في بيان إن «مضيق هرمز ممر بحري حيوي للتجارة العالمية، وإيران لا تسيطر عليه»، معلنة أنها نفّذت عشرات الضربات لتقليص قدرة طهران على مهاجمة السفن، بعد اتهام إيران بضرب الناقلة القبرصية العلم “إم في جي إف إس غالاكسي”. ردّت طهران بموجة صواريخ ومسيّرات استهدفت الإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين، بحسب “الجزيرة”. في خضم هذا التصعيد، أعلن ترامب يوم 13 يوليو أن واشنطن ستعيد فرض حصارها الخاص على السفن الإيرانية، وستفرض رسماً بنسبة 20 بالمئة على أي شحنة أخرى تعبر المضيق، أي نحو 30 مليون دولار على الناقلة العملاقة الواحدة، مؤكداً أن الممر سيبقى مفتوحاً “بوجود إيران أو من دونها”، وفق ما نقلته وكالة “بلومبرغ”. وسط هذا الجمود، توجّه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط في 11 يوليو، حيث اقترحت عُمان تقسيم الملاحة إلى ممرين منفصلين، أحدهما جنوبي داخل المياه الإقليمية العُمانية يتيح ملاحة حرة، غير أن الوفد الإيراني لم يوافق على المقترح فوراً وأعاده إلى طهران للتشاور، فيما أكد عراقجي في 13 يوليو استمرار المحادثات “على المستويين السياسي والفني” مع بقاء المضيق مغلقاً من الناحية العملية بحسب البحرية الإيرانية.
العقوبات والأصول المجمّدة: وعد لم يفِ به أحد
الخلاف الثاني يتمحور حول الشق المالي من المذكرة. فبعد أن أصدرت الخزانة الأميركية إعفاءات مؤقتة في 21 يونيو سمحت باستئناف صادرات النفط الإيراني لستين يوماً، اتهمت طهران واشنطن بالتراجع عن هذا الالتزام وإعادة فرض العقوبات النفطية عقب استئناف الهجمات على الملاحة، بحسب موسوعة “ويكيبيديا” المحدّثة باستمرار حول الأزمة. أما ملف الأصول المجمّدة، والذي يشمل نحو 6 مليارات دولار محتجزة في حسابات قطرية، فلا يزال معلّقاً؛ إذ أعلنت الدوحة في 30 يونيو أنها لم تحوّل هذه الأموال إلى طهران، بينما أوضح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس أن واشنطن والدوحة ستحتفظان بالإشراف على الأموال حتى بعد الإفراج عنها، وفق تحليل “صنداي تايمز”. وفي خطوة موازية، فرضت وزارة الخزانة الأميركية في 11 يوليو عقوبات على الممول الإيراني علي أنصاري، متهمة إياه بإدارة شبكة أصول عالمية تخدم المرشد الجديد مجتبى خامنئي ونخب النظام، بحسب ما أوردته شبكة “سي إن بي سي”. بهذا المعنى، لم تعد الأصول المجمّدة ورقة ضغط اقتصادية فحسب، بل غدت جزءاً من معركة أوسع حول من يتحمل كلفة استمرار الحرب.
من انهيار الهدنة إلى فوهة حرب مفتوحة
الانتقال من الضغط العسكري المحدود إلى مواجهة مفتوحة لم يعد افتراضاً نظرياً. فبعد دفن خامنئي الأب في مشهد يوم 9 يوليو، وسط مراسم استمرت أياماً ونقلت جثمانه بين مدن إيرانية وعراقية، رفع بعض المشيّعين لافتات تدعو إلى قتل ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحسب ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”. ردّ ترامب بتهديدات عبر منصته “تروث سושيال” بتدمير إيران “بالكامل”، فيما ظهر المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ بداية الحرب، عبر التلفزيون الرسمي متعهداً بالانتقام لمقتل والده. مسؤولون أميركيون تحدثوا لشبكة “بي بي إس نيوز” شريطة عدم الكشف عن هويتهم، قالوا إن استئناف الضربات جاء بعد محاولة “فصيل متشدد” داخل إيران تخريب الهدنة، في حين تصرّ طهران على أن قيادتها موحّدة تحت المرشد الجديد. ما يكشفه هذا التشابك ليس مجرد خلاف تقني حول رسوم عبور السفن، بل هشاشة اتفاق وُلد ناقصاً منذ لحظته الأولى، حين تُرك أخطر ملفين، الملاحة والبرنامج النووي، معلّقين لمرحلة لاحقة لم تحن بعد. اقتصادياً، انعكس هذا التصعيد مباشرة على أسواق الطاقة؛ إذ أغلق خام برنت فوق 83 دولاراً للبرميل في 13 يوليو بعد قفزة تجاوزت 9 بالمئة في يوم واحد، وفق “بلومبرغ”، بينما تراجعت حركة الملاحة في المضيق إلى ست سفن فقط خلال اثنتي عشرة ساعة، مقارنة بمعدل يومي طبيعي بلغ نحو 130 سفينة قبل الحرب، بحسب بيانات منصة “ويندوارد” التي استقتها “الجزيرة”. كما تراجعت مؤشرات الأسهم الآسيوية، وهوى مؤشر “كوسبي” الكوري الجنوبي أكثر من 8 بالمئة في جلسة واحدة.
ما الذي يجب مراقبته في الأسابيع المقبلة؟
ثلاثة مؤشرات ستحدد مسار الأزمة خلال الأسابيع المقبلة. أولها استمرار الضربات الأميركية، التي دخلت ليلتها الثالثة على التوالي بحلول 13 يوليو، مع تلميحات أميركية بإمكانية تمديدها “أياماً إضافية”، وفق “بلومبرغ”. ثانيها مصير المحادثات الفنية والسياسية بين طهران ومسقط حول إدارة المضيق، والتي لم يُحدد بعد موعد جولتها المقبلة. أما المؤشر الثالث فهو اقتراب مهلة الستين يوماً التي حددتها مذكرة إسلام أباد للتفاوض على اتفاق نهائي يشمل الملف النووي، وهي مهلة تنتهي منتصف أغسطس/آب المقبل تقريباً، ما يجعلها موعداً حاسماً لتحديد ما إذا كان الإطار الحالي سيصمد أو ينهار كلياً.
حتى صباح 14 يوليو، لم تُحسم أي من الملفات الثلاثة: لا اتفق الطرفان على من يدير الملاحة في هرمز، ولا أُفرج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، ولا استؤنفت مفاوضات جدية حول الملف النووي. المفاوضات الفنية بين طهران ومسقط مستمرة بلا جدول زمني معلن، بينما تقترب مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في المذكرة من نهايتها، وهو الموعد الذي سيُظهر إن كان الطرفان قادرين على إنقاذ ما تبقى من إطار إسلام أباد أو أن المضيق سيبقى، كما هو الحال منذ أسبوعين، ساحة اختبار يومية لصمود هدنة لم تعد تحمل من اسمها سوى الشكل.
المصادر
- الجزيرة – “Oil prices jump as US and Iran trade attacks over Strait of Hormuz”
https://www.aljazeera.com/economy/2026/7/13/oil-prices-jump-as-us-and-iran-trade-attacks-over-strait-of-hormuz – اطُّلع عليه في 14 يوليو/تموز 2026 - صنداي تايمز (جنوب أفريقيا) – “EXPLAINER: Why has the Iran-US ceasefire memorandum frayed?”
https://www.sundaytimes.timeslive.co.za/news/2026-07-13-explainer-why-has-the-iran-us-ceasefire-memorandum-frayed/ – اطُّلع عليه في 14 يوليو/تموز 2026 - سي إن إن – “US releases official agreement with Iran. Read the 14-point text”
https://www.cnn.com/2026/06/17/middleeast/us-iran-war-mou-text-intl – اطُّلع عليه في 14 يوليو/تموز 2026 - بلومبرغ – “Latest Oil Market News and Analysis for July 14”
https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-07-13/latest-oil-market-news-and-analysis-for-july-14 – اطُّلع عليه في 14 يوليو/تموز 2026 - بي بي إس نيوز / أسوشيتد برس – “Fate of Strait of Hormuz challenges talks as Trump and Iran’s supreme leader trade threats”
https://www.pbs.org/newshour/world/fate-of-strait-of-hormuz-challenges-talks-as-trump-and-irans-supreme-leader-trade-threats – اطُّلع عليه في 14 يوليو/تموز 2026 - سي إن بي سي – “Trump threatens to ‘decimate’ Iran if it tries to kill him, as Treasury sanctions alleged Iranian financier”
https://www.cnbc.com/2026/07/11/trump-threat.html – اطُّلع عليه في 14 يوليو/تموز 2026
أحمد ناصر


