فرض الاتحاد الأوروبي، الاثنين 13 يوليو 2026، حظرا كاملا على شراء واستيراد الذهب السوداني وعلى تصدير الزئبق والسيانيد إلى البلاد، في أول إجراء أوروبي مباشر يستهدف هذا القطاع منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع قبل أكثر من ثلاث سنوات. غير أن القرار يصطدم بجغرافيا تجارية معقدة: الجزء الأكبر من الذهب السوداني المهرب ينتهي في الإمارات، الدولة التي استبعدها بروكسل من أي عقوبة مباشرة رغم تصويت البرلمان الأوروبي قبل أيام لتسميتها الراعي الرئيسي لقوات الدعم السريع.
وأوضح مجلس الاتحاد الأوروبي، في بيان صادر عن اجتماع وزراء الخارجية في بروكسل، أن القرار المستند إلى مبادرة هولندية فرنسية مشتركة يحظر «شراء أو استيراد أو نقل الذهب سوداني المنشأ» إلى الدول الأعضاء السبع والعشرين، ويقيد في الوقت نفسه إمكانية إدخال هذا الذهب إلى السوق الأوروبية عبر دول ثالثة. ويشمل الحظر أيضا بيع أو توريد الزئبق والسيانيد، وهما مادتان أساسيتان في التعدين التقليدي، مع استثناء الشحنات ذات الأغراض الإنسانية والصحية. يأتي هذا الإجراء القطاعي، الأول من نوعه، ليضاف إلى نظام عقوبات كان حتى الآن يقتصر على استهداف أفراد وشركات بعينها: فمنذ أكتوبر 2023، فرض الاتحاد أربع حزم عقوبات طالت 18 فردا و8 كيانات، من بينها شركة “ريد روك ماينينغ” التابعة للجيش السوداني في يوليو 2025، وقادة من قوات الدعم السريع في يناير 2026 على خلفية مجازر مدينة الفاشر.
من دارفور إلى النيل: خريطة الذهب التي رسمتها الحرب
يشكل الذهب، منذ انفصال جنوب السودان عام 2011 وضياع عائدات النفط معه، العمود الفقري لموازنة الخرطوم، وقد تحول مع اندلاع الحرب إلى مورد يتقاسمه طرفا النزاع بدل أن يغذي خزينة الدولة. ففي الشرق، حيث تسيطر سلطات بورتسودان الموالية للجيش على ولايات النيل والشمالية والبحر الأحمر، تدير شركة الموارد المعدنية السودانية الحكومية إلى جانب شركتي “سودان ماستر تكنولوجي” و”ريد روك ماينينغ” عمليات تعدين شبه صناعية، وأعلنت الشركة الحكومية في فبراير 2025 أن الإنتاج بلغ 64 طنا في 2024 مقابل 41.8 طنا فقط عام 2022. أما في دارفور وكردفان، حيث تسيطر قوات حميدتي، فيهيمن التعدين التقليدي غير المنظم، وتتحكم فيه شركة “الجنيد للأنشطة المتعددة” المملوكة لعائلة الدقلو، التي ورثت مناجم جبل عامر منذ 2017 وباتت الذراع الاقتصادية للحركة شبه العسكرية. ووثقت صور أقمار صناعية، بحسب تحقيق نشر في فبراير 2026، عشرات الأنفاق ومدرجات طائرات صغيرة قرب مناجم شمال كردفان، ما يتيح نقل المعدن جوا خارج أي رقابة رسمية.
دبي محطة الوصول شبه الحتمية لذهب النزاع
بمجرد استخراجه، يسلك الذهب طرقا متشعبة نحو الخارج. فبحسب بيانات الأمم المتحدة للتجارة التي جمعتها منظمة “سويس إيد”، استوردت الإمارات مباشرة من السودان 29 طنا من الذهب في 2024، مقابل 17 طنا فقط في 2023، إضافة إلى كميات كبيرة عبرت عبر مصر (27 طنا) وتشاد (18 طنا) وليبيا (9 أطنان) خلال العام نفسه. ويؤكد مركز “تشاتام هاوس” البريطاني أن نحو 60% من ذهب الولايات الشرقية الخاضعة للجيش يهرب إلى مصر قبل أن ينتهي جزء كبير منه في الإمارات أيضا، فيما يفضل تجار الدعم السريع طرقا عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان وصولا إلى مصفاة “كالوتي” في الشارقة. وتتهم بورتسودان الميليشيا تحديدا بتهريب ذهب تفوق قيمته 850 مليون دولار خلال 2024 ومطلع 2025، وهو ما نفاه مسؤول في تحالف “تأسيس” الموالي للدعم السريع، ووصف الاتهامات بأنها «تلفيق وأكاذيب» تهدف إلى تشويه صورة الحركة.
بروكسل تشدد الخناق بعد أربع حزم عقوبات فردية
يمثل حظر 13 يوليو تحولا في فلسفة العقوبات الأوروبية على السودان، إذ ينتقل التركيز من ملاحقة أفراد وشركات بعينها إلى استهداف قطاع اقتصادي كامل يوصف بأنه الوقود المالي للحرب. وشدد المجلس الأوروبي على أن عائدات الذهب تستخدم بشكل مباشر لشراء الأسلحة وتمويل العمليات العسكرية، وهو ما يطيل أمد الصراع بحسب البيان الرسمي المستند إلى تحقيقات أممية سابقة. غير أن النظام القائم يبقى، حتى بعد هذا التوسع، أضيق نطاقا مما طالب به البرلمان الأوروبي، الذي صوت قبل أربعة أيام فقط، بأغلبية 476 صوتا مقابل 28، لصالح قرار يدعو إلى تصنيف قوات الدعم السريع “منظمة إرهابية” ويسمي الإمارات صراحة راعيا رئيسيا للميليشيا، في سابقة لم تشهدها أي وثيقة أوروبية رسمية من قبل.
الإمارات خارج دائرة الاستهداف رغم اتهامها بالرعاية
لم يترجم مجلس الاتحاد الأوروبي توصية البرلمان إلى قرار ملزم، ولم يضف أي عقوبة تطال الإمارات أو كياناتها المصرفية والمصهرية، وهو ما تنتقده منظمات المجتمع المدني التي تتحدث عن حملات ضغط نجحت مرارا في تخفيف اللهجة الأوروبية تجاه أبوظبي. وترد وزارة التجارة الإماراتية على هذه الاتهامات بالقول إن واردات الذهب السوداني لا تمثل سوى نحو 1% من إجمالي وارداتها من الذهب، وإن البلاد تطبق بروتوكولات صارمة لمكافحة غسل الأموال تتماشى مع معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما سمح لها سابقا بالخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي. في المقابل، تكشف بيانات “سويس إيد” أن سويسرا، غير الخاضعة لهذه العقوبات الأوروبية، استوردت من الإمارات وحدها 316 طنا من الذهب بقيمة 27 مليار فرنك سويسري بين يناير وسبتمبر 2025، أي أكثر من ضعف المعدل السنوي المسجل منذ 2015، وهو ما تعتبره المنظمة ثغرة فعلية في منظومة الرقابة الدولية.
هل يجف التمويل فعلا أم يغير مساره فحسب؟
يكمن التحدي الحقيقي أمام الحظر الأوروبي في طبيعة الذهب نفسه. فبمجرد وصوله إلى مصاهر دبي والشارقة وانصهاره مع مخزونات أخرى، يفقد المعدن هويته الجغرافية بشكل نهائي، وهو ما يجعل إثبات “المنشأ السوداني” لأي سبيكة تصل لاحقا إلى السوق الأوروبية أو السويسرية تحديا تقنيا لا يقل صعوبة عن التحدي السياسي. ولذلك يخلص باحثو “تشاتام هاوس” إلى أن أي تغيير حقيقي يتطلب تعاونا مباشرا من السلطات الإماراتية نفسها لإخضاع مصافيها لتدقيق مستقل، وهو تعاون لم يتحقق بعد رغم سنوات من التوصيات الدولية. وفي غضون ذلك، يواصل الطرفان المتحاربان البحث عن أسواق أقل حساسية للامتثال الغربي؛ فحكومة بورتسودان تسعى إلى جذب مستثمرين روس وصينيين لإحياء التعدين الصناعي في الولايات الشرقية، فيما استفادت قوات الدعم السريع تاريخيا من خبرة مرتزقة مجموعة “فاغنر”، المعروفة اليوم باسم “فيلق أفريقيا”، التي رافقت الحركة منذ عام 2015 في مناطق التعدين بدارفور.
يبقى نظام العقوبات الأوروبية المستهدف للأفراد والكيانات ساريا حتى 10 أكتوبر 2026، الموعد الذي سيقرر فيه وزراء الخارجية الأوروبيون ما إذا كانوا سيوسعون القائمة لتشمل، هذه المرة، الشبكات المصرفية والمصهرية التي يمر عبرها الذهب قبل وصوله إلى الأسواق العالمية.
المصادر
- مجلس الاتحاد الأوروبي – بيان صحفي: “Sudan: Council strengthens EU sanctions regime by targeting gold trade”
https://www.consilium.europa.eu/en/press/press-releases/2026/07/13/sudan-council-strengthens-eu-sanctions-regime-by-targeting-gold-trade/ – نشر في 13 يوليو 2026 – اطلع عليه في 14 يوليو 2026 - بلومبرغ – “EU to Sanction Sudan’s Gold Trade as Civil War Rages”
https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-07-13/eu-to-sanction-sudan-s-gold-trade-as-civil-war-rages – نشر في 13 يوليو 2026 – اطلع عليه في 14 يوليو 2026 - EUobserver – “EU imposes Sudan gold ban but declines to sanction UAE-backed militia accused of ‘genocide'”
https://euobserver.com/227264/eu-imposes-sudan-gold-ban-but-declines-to-sanction-uae-backed-militia-accused-of-genocide/ – نشر في 13 يوليو 2026 – اطلع عليه في 14 يوليو 2026 - مركز تشاتام هاوس – تقرير “Gold and the war in Sudan”
https://www.chathamhouse.org/2025/03/gold-and-war-sudan/04-how-sudans-gold-sector-connects-regional-conflict-ecosystem – نشر في مارس 2025 – اطلع عليه في 14 يوليو 2026 - منظمة سويس إيد – “United Arab Emirates: More Than Ever a Hub for Conflict Gold”
https://www.swissaid.ch/en/media/united-arab-emirates-more-than-ever-a-hub-for-conflict-gold/ – نشر في نوفمبر 2025 – اطلع عليه في 14 يوليو 2026 - صحيفة سودان تريبيون – “Sudan accuses RSF of smuggling gold to UAE”
https://sudantribune.com/article/307470 – نشر في 24 نوفمبر 2025 – اطلع عليه في 14 يوليو 2026
أحمد ناصر


