الرئيسيةالأخبارالعالملماذا استحضر سانشيز حرب العراق رداً على تهديدات ترامب التجارية؟

لماذا استحضر سانشيز حرب العراق رداً على تهديدات ترامب التجارية؟

هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال قمة حلف الناتو المنعقدة في أنقرة، بوقف كل المبادلات التجارية مع إسبانيا، متهماً مدريد بالتقصير في الإنفاق الدفاعي ورفض المشاركة في العمليات الأمريكية ضد إيران. رد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز باستحضار غزو العراق عام 2003 وأكاذيب أسلحة الدمار الشامل، في مواجهة تكشف عن توتر بنيوي بين واشنطن ومدريد يتجاوز حدود الخلاف الظرفي.

جاءت تصريحات ترامب يوم الأربعاء 8 يوليو 2026، وهو جالس إلى جانب الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، بحسب ما نقلته وكالة يونايتد برس إنترناشونال. ووصف الرئيس الأمريكي إسبانيا بأنها “قضية خاسرة” و”شريك سيئ” داخل الحلف، مطالباً وزير الخزانة سكوت بيسنت بـ”قطع كل التبادل التجاري مع إسبانيا، بما في ذلك الزيارات”. لم تكن هذه المرة الأولى التي يطلق فيها ترامب تهديداً من هذا النوع، إذ سبق أن لوّح بالخيار نفسه في مارس الماضي قبل أن يتراجع عن التنفيذ.

خلاف الإنفاق الدفاعي يتقاطع مع رفض مدريد المشاركة في حرب إيران

يعود جذر التوتر إلى قمة لاهاي التي عقدها الناتو العام الماضي، حين وافق أعضاء الحلف، بضغط من ترامب، على رفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035. وكانت إسبانيا الدولة الوحيدة بين الأعضاء الاثنين والثلاثين التي رفضت الالتزام بهذا الهدف، بحسب ما أوردته شبكة ABC News. أضف إلى ذلك أن مدريد رفضت السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية المشتركة على أراضيها في عمليات متصلة بالحرب على إيران، كما أغلقت مجالها الجوي أمام الطائرات الأمريكية المشاركة في تلك العمليات، وفق ما أفادت به مجلة تايم.

لا يتعلق الأمر إذن بخلاف عابر حول الأرقام، بل بموقف سياسي إسباني يربط استقلالية القرار الدفاعي برفض الانخراط في مغامرات عسكرية خارج الأطر الأممية. وبحسب ما كشفته وكالة رويترز، تداولت مذكرة داخلية في البنتاغون خيارات لمعاقبة الحلفاء الذين اعتبرتهم الإدارة الأمريكية متقاعسين عن دعم الحرب على إيران، من بينها اقتراح تجميد عضوية إسبانيا في الحلف، وهو ما لم يحظ بتأكيد رسمي حتى الآن.

من أثنار إلى سانشيز: ندبة العراق لا تزال حاضرة في الذاكرة الإسبانية

حين استحضر سانشيز غزو العراق، لم يكن يتحدث عن حدث بعيد في الزمن، بل عن جرح لا يزال مفتوحاً في الذاكرة السياسية الإسبانية. فقبل 23 عاماً، وبرغم معارضة شعبية واسعة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ البلاد الحديث، زجت حكومة اليمين برئاسة خوسيه ماريا أثنار بإسبانيا في التحالف الذي غزا العراق عام 2003 استناداً إلى مزاعم بشأن امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، تبين لاحقاً أنها لم تكن موجودة. ودفعت إسبانيا ثمناً باهظاً لذلك الانخراط، إذ نفذت خلايا مرتبطة بتنظيم القاعدة تفجيرات قطارات مدريد في مارس 2004، ما أسفر عن مقتل 191 شخصاً وأطاح لاحقاً بحكومة أثنار في الانتخابات التي تلت الهجوم مباشرة.

ويشكل هذا السياق التاريخي المرجعية التي استند إليها سانشيز في رده على ترامب، إذ قال، بحسب ما نقلته وكالة رويترز: “قبل 23 عاماً جرّتنا الولايات المتحدة إلى العراق بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل، ولم يُعثر على شيء. لا يمكنكم خداعنا مرتين.” وتناقلت وسائل إعلام دولية عديدة هذه العبارة باعتبارها من أكثر الردود حدة التي وجهها مسؤول أوروبي رفيع إلى الرئيس الأمريكي منذ عودته إلى البيت الأبيض.

سانشيز يستند إلى إجماع سياسي نادر داخل إسبانيا

على عكس أغلب الملفات التي تنقسم حولها الساحة السياسية الإسبانية بين اليمين واليسار، حظي الموقف الرافض للانصياع لتهديدات ترامب بدعم تجاوز حدود الائتلاف الحكومي اليساري الذي يقوده سانشيز. فقد وصفت وزيرة الصحة مونيكا غارثيا، في تصريح نشرته على منصة إكس، تصريحات ترامب بأنها خلط بين الدبلوماسية والتنمر، مؤكدة أن إسبانيا “دولة ديمقراطية ذات سيادة تدافع عن التعددية والسلام”، بحسب ما أورده موقع صحيفة الإيرش تايمز.

من جهته، حرص مكتب رئيس الحكومة على تهدئة اللهجة الرسمية، معتبراً أن تصريحات ترامب لا تخرج عن سياق اعتيادي وأن العلاقات التجارية بين البلدين “قوية جداً” ويقودها القطاع الخاص أساساً وليس الحكومات، وفق ما نقلته وكالة رويترز. وأشارت مصادر حكومية إسبانية إلى أن قواعد الاتحاد الأوروبي تمنع أصلاً الدول الأعضاء من التفاوض على اتفاقيات تجارية منفردة مع دول ثالثة، وهو ما يجعل تنفيذ تهديد ترامب معقداً من الناحية القانونية بمعزل عن موافقة بروكسل.

ثقل الاقتصاد الإسباني يحد من هامش المناورة الأمريكي

يستمد سانشيز جزءاً من ثقته من الوزن الاقتصادي الذي تمثله إسبانيا بوصفها رابع أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، إلى جانب كون أي اتفاقية تجارية مع واشنطن تندرج ضمن صلاحيات المفوضية الأوروبية وليس ضمن صلاحيات الحكومات الوطنية منفردة. وقد لفتت مدريد إلى أنها تسجل عجزاً تجارياً في مبادلاتها مع الولايات المتحدة، ما يعني أن أي قطيعة قد تضر بالمصدّرين الأمريكيين بقدر ما تضر بنظرائهم الإسبان، بحسب ما ورد في تقرير نقلته وكالة رويترز.

ويرى محللون استشهدت بهم الوكالة نفسها أن تصريحات ترامب من غير المرجح أن تفضي إلى إجراءات ملموسة، استناداً إلى سوابق مشابهة أطلقها الرئيس الأمريكي في الأشهر الماضية من دون أن تترجم إلى قرارات فعلية. ومع ذلك، فإن تكرار التهديد يعكس توتراً بنيوياً في العلاقة بين واشنطن ومدريد، تغذيه ملفات متشابكة تمتد من الإنفاق العسكري إلى الموقف من الحرب على إيران، مروراً بمطالبة ترامب المتكررة بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية، وهو ملف طرحه مجدداً خلال قمة أنقرة نفسها.

الناتو بين مطرقة واشنطن وسندان الانقسامات الأوروبية

لم تقتصر انتقادات ترامب في أنقرة على إسبانيا وحدها؛ إذ جدد مطالبته بالسيطرة على غرينلاند في مواجهة رفض دنماركي قاطع عبّرت عنه رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن بالقول إن الجزيرة “ليست للبيع بالتأكيد”، بحسب ما أوردته صحيفة تايمز أوف إسرائيل. كما أعلن الرئيس الأمريكي، خلال القمة نفسها، أن وقف إطلاق النار مع إيران “انتهى”، في تصعيد لفظي زاد من حدة الأجواء داخل التحالف الأطلسي.

يبقى مصير التهديد الأمريكي رهيناً بمدى استعداد إدارة ترامب لترجمة تصريحاتها إلى قرارات تنفيذية فعلية، خصوصاً في ظل التذكير المتكرر من جانب مدريد بأن أي اتفاق تجاري يمر إلزامياً عبر بروكسل. وفي انتظار ذلك، تبقى عبارة سانشيز حول “الخداع المزدوج” شاهداً على منسوب غير مسبوق من التوتر العلني بين عضوين مؤسسين في حلف شمال الأطلسي.

هيئة التحرير
هيئة التحريرhttps://alahrar.net/
هيئة التحرير في «الأحرار» تشرف على إعداد الأخبار والتقارير ومراجعتها ونشرها، وفق الميثاق التحريري ومعايير الدقة والاستقلالية والشفافية المعتمدة في الصحيفة.
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -spot_img

الأكثر شهرة