شرح معنى قرار مجموعة العمل المالي، وما الذي تغيّر في منظومة مكافحة غسل الأموال، وما إذا كان رفع اسم الجزائر سيخفّض كلفة المعاملات ويُحسن صورتها لدى المستثمرين.
رفعت مجموعة العمل المالي الدولية “فاتف” اسم الجزائر من قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة، المعروفة إعلاميا بـ”القائمة الرمادية”، خلال الجلسة العامة التي عقدتها بمقر منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس بين 17 و19 يونيو 2026. اعتُمد القرار بالإجماع من أعضاء الجلسة العامة، بمشاركة وفد جزائري قاده وزير المالية عبد الكريم بو الزرد ومحافظ بنك الجزائر محمد لمين لبو. في الجلسة نفسها، أضافت “فاتف” العراق والبوسنة والهرسك إلى القائمة الرمادية، فيما خرجت منها الجزائر وناميبيا، ليستقر عدد الدول الخاضعة للمتابعة المعززة عند 22 دولة.
عشرون شهرا من المتابعة المعززة تنتهي بجلسة باريس
أدرجت مجموعة العمل المالي الجزائر ضمن القائمة الرمادية في أكتوبر 2024، عقب تقييم متبادل رصد ثغرات في الرقابة القائمة على المخاطر، وفي الشفافية حول المستفيدين الحقيقيين من الشركات، وفي فعالية التحقيق والملاحقة القضائية لجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وعلى مدى نحو عشرين شهرا، انخرطت السلطات الجزائرية في مراجعة تشريعية وتنظيمية ومؤسساتية شملت تعزيز الرقابة على التدفقات المالية وتحسين تتبع المعاملات المشبوهة، وفق ما نقلته صحيفة “الشرق الأوسط” عن أوساط مطلعة على الملف. وتُوّج هذا المسار بزيارة ميدانية لخبراء المجموعة أفضت إلى تأكيد استكمال خطة العمل المتفق عليها، قبل أن تصدر التوصية النهائية بالخروج في الجلسة العامة بباريس.
ما يميز هذا الملف أن الخروج جاء عبر المسار الفني المعتاد لـ”فاتف”، لا عبر استثناء ظرفي، وهو ما يمنح القرار وزنا أكبر لدى الأسواق التي تراجع تقييمات المجموعة بدقة قبل اتخاذ قرارات الاستقرار في أي بلد.
بنك الجزائر والمصارف الأجنبية يسجلان أول الانعكاسات
رحّب بنك الجزائر رسميا بالقرار، معتبرا أنه يعزز الثقة الدولية في الاقتصاد الوطني. وفي أول أثر ملموس للخطوة، رفعت عدة مصارف أجنبية رسميا الإجراءات الاحترازية الإضافية التي كانت تفرضها على تحويلات الجزائريين، ما يوحي بتراجع متوقع في زمن معالجة المعاملات العابرة للحدود وكلفتها. من جهتها، اعتبرت جمعية وطنية للتجار والحرفيين أن القرار خطوة مهمة نحو تحسين بيئة الأعمال وإضفاء مزيد من المصداقية على النظام المالي والمصرفي، داعية إلى استثمار هذا المكسب لتعزيز حضور البنوك الجزائرية في الخارج، خصوصا في القارة الأفريقية.
من التصنيف الأوروبي إلى ملف استُخدم في السجال السياسي الفرنسي
يأتي القرار بعد نحو سنة من إدراج البرلمان الأوروبي الجزائر ضمن قائمته الخاصة بالدول عالية المخاطر في مجال تبييض الأموال، في يونيو 2025، استنادا جزئيا إلى ملاحظات سابقة لمجموعة العمل المالي. أثار ذلك الإدراج جدلا داخل الجزائر، حيث اعتبرت السلطات أن المؤسسة الأوروبية تجاوزت صلاحياتها بالتدخل في شأن سيادي، بينما رحّب عدد من نواب اليمين واليمين المتطرف في فرنسا بالخطوة باعتبارها إدانة ضمنية للسلطات الجزائرية. غير أن قائمة الاتحاد الأوروبي ولائحة “فاتف” تخضعان لمسارين تنظيميين منفصلين: فبينما تُحدَّث لائحة “فاتف” مباشرة عقب كل جلسة عامة، يستوجب تحديث اللائحة الأوروبية اعتماد لائحة تفويضية من المفوضية تخضع بدورها لرقابة البرلمان والمجلس الأوروبيين. خروج الجزائر من القائمة الرمادية لـ”فاتف” لا يترجَم إذن تلقائيا إلى رفعها من اللائحة الأوروبية، وهو تمييز غالبا ما تختلط معالمه في التغطيات المتسرعة لهذا النوع من القرارات.
ماذا يعني ذلك لمناخ الاستثمار في الجزائر؟
يرى محللون ماليون أن خروج الجزائر من القائمة الرمادية يمنحها ما وصفوه بـ”أمان قانوني ومالي” يطمئن المستثمرين الأجانب، ذلك أن صناديق الاستثمار العالمية تراجع تقييمات “فاتف” بدقة قبل اتخاذ قرار الاستقرار في أي سوق. وقال كمال مولى، رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، وهو من أكبر منظمات أرباب العمل في البلاد، إن قرار المجموعة يكرّس الجهود المبذولة لتعزيز الشفافية المالية وتحسين الحوكمة وتقريب النظام المالي الوطني من المعايير الدولية، في تصريح لوكالة الأنباء الجزائرية. وبحسب تقدير لصندوق النقد الدولي، فإن إدراج أي بلد على القائمة الرمادية يقلّص تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إليه بما يعادل نحو 7.6 في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي في المتوسط، وهو مؤشر عام يوضح حجم الكلفة الاقتصادية التي كانت الجزائر تتحملها خلال فترة إدراجها، من دون أن يشكّل رقما خاصا بحالتها. Dora TechZIGRAM
الرهان الحقيقي لا يكمن في القرار نفسه، بل في قدرة الجزائر على تحويل هذا المكسب الرمزي إلى تدفقات استثمارية فعلية، وهو ما يتوقف على استمرار الإصلاحات لا على قرار “فاتف” وحده.
الخطوات المقبلة: متابعة إقليمية ورئاسة بريطانية جديدة لـ”فاتف”
لا يعني خروج الجزائر من القائمة الرمادية توقف المتابعة كليا، إذ ستواصل السلطات الجزائرية التنسيق مع مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الهيئة الإقليمية المنبثقة عن “فاتف”، لضمان استدامة الإصلاحات المنجزة. وتزامن القرار مع نهاية الرئاسة المكسيكية لمجموعة العمل المالي التي قادتها إليسا دي أندا مادرازو، إذ يتولى البريطاني جايلز طومسون رئاسة المجموعة اعتبارا من فاتح يوليو 2026. تعقد “فاتف” جلساتها العامة ثلاث مرات في السنة، في فبراير ويونيو وأكتوبر، وستكون جلسة أكتوبر 2026 المحطة المقبلة التي ستراقب فيها الأسواق المالية ما إذا كانت الجزائر ستحافظ على مكتسباتها التنظيمية. ZIGRAM + 2
المصادر
- مجموعة العمل المالي (FATF) – “Outcomes FATF Plenary, 17-19 June 2026”
https://www.fatf-gafi.org/en/publications/Fatfgeneral/outcomes-fatf-plenary-june-2026.html – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - ComplyAdvantage – “FATF plenary June 2026: Grey list changes, a payment transparency consultation, and the incoming UK Presidency”
https://complyadvantage.com/insights/fatf-plenary-june-2026-outcomes/ – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - الشرق الأوسط – “شطب الجزائر من «القائمة الرمادية» يتوج 20 شهراً من الإصلاحات البنكية العميقة”
https://aawsat.com/العالم-العربي/شمال-افريقيا/5286820 – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - الشروق أونلاين – “رسميًّا… الجزائر خارج قائمة غافي الرمادية!”
https://www.echoroukonline.com/رسميا-الجزائر-خارج-قائمة-غافي-الرم – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - القدس العربي – “الجزائر تغادر القائمة الرمادية لمجموعة غافي للدول الخاضعة للرقابة”
https://www.alquds.co.uk/الجزائر-تغادر-القائمة-الرمادية-لمجمو/ – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026 - AML Intelligence – “Iraq and Bosnia/Herzegovina added to FATF grey list, Algeria and Namibia removed”
https://www.amlintelligence.com/2026/06/breaking-iraq-and-bosnia-herzegovina-added-to-fatf-grey-list-algeria-and-namibia-removed/ – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
يوسف عبد الله


