الرئيسيةالأخبارالوطنالبرلمان الجزائري الجديد: ماذا تقول النتائج عن المشاركة السياسية بعد الحراك؟

البرلمان الجزائري الجديد: ماذا تقول النتائج عن المشاركة السياسية بعد الحراك؟

قراءة نتائج انتخابات 2 يوليو/تموز بعيداً عن الأرقام المجردة: نسبة المشاركة، توزيع القوى، حضور المستقلين، وحدود تجدد الثقة في المؤسسات بعد أكثر من سبع سنوات على انطلاق الحراك.

أعلنت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات (أنيّة)، مساء الاثنين 6 يوليو/تموز 2026، أي بعد أربعة أيام من إغلاق صناديق الاقتراع، النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية التي أفرزت تشكيلة العهدة العاشرة للمجلس الشعبي الوطني البالغ عدد مقاعده 407. وتصدر حزب جبهة التحرير الوطني الترتيب بـ90 مقعداً، تلاه التجمع الوطني الديمقراطي بـ73 مقعداً، فيما استقرت نسبة المشاركة النهائية عند 21.24% داخل الوطن و10.75% في أوساط الجالية المقيمة بالخارج. هذان الرقمان يضعان استحقاق 2026 عند مستوى مشاركة أدنى من الرقم الذي سجلته تشريعيات 2021، والتي لم تتجاوز يومها 23%، واعتُبرت حينها الأضعف في تاريخ البلاد.

وما يبرزه الفارق بين الدورتين ليس تراجعاً عابراً في الإقبال على صناديق الاقتراع، بل استمرار قطيعة هيكلية بين المؤسسة التمثيلية وشريحة واسعة من المجتمع الجزائري، سبق أن عبّرت عن نفسها في كل استحقاق نُظّم منذ اندلاع الحراك الشعبي في فبراير/شباط 2019.

رقم قياسي جديد يتجاوز سقف 2021

بحسب المعطيات التي كشفتها أنيّة، شارك في التصويت داخل الوطن 5,071,020 ناخباً من أصل هيئة ناخبة تبلغ 23,872,756 مسجلاً، بعد أن استُبعد من الاحتساب 910,230 ورقة ملغاة و1,095 ورقة محل طعن، لتستقر الأصوات المعبَّر عنها صراحة عند 4,160,790 صوتاً. أما في الخارج، فقد أدلى 91,810 ناخباً بأصواتهم من أصل 854,285 مسجلاً في قوائم الجالية، وهو ما يفسر تدني نسبة المشاركة هناك مقارنة بالداخل. الفارق الطفيف بين الأرقام الأولية التي أعلنها كريم خلفان، رئيس أنيّة بالنيابة، مساء يوم الاقتراع (20.79% داخلياً و10.67% خارجياً)، والأرقام النهائية المعلنة لاحقاً، لم يغيّر الاتجاه العام: تراجع إضافي مقارنة بانتخابات 2021.

هذا التراجع يأتي رغم توسيع هيئة الناخبين إلى ما يقارب 24.7 مليون مواطن، وبعد مراجعة استثنائية للقوائم الانتخابية أعلنتها السلطة الانتخابية في مايو/أيار 2026. ويلاحظ مراقبون أن الحملة الانتخابية التي سبقت التصويت لم تحظَ بالزخم الذي عرفته حملات سابقة، حتى مقارنة بأجواء 2021 نفسها، رغم أنها جاءت في ظل نظام القوائم المفتوحة المعتمد للمرة الثانية على التوالي.

خريطة برلمانية مألوفة بمعادلات متغيّرة

على مستوى توزيع المقاعد، حافظت الأحزاب التقليدية القريبة من السلطة على موقعها المهيمن، لكن الترتيب الداخلي بينها شهد تبدلات لافتة. فبينما تراجعت جبهة التحرير الوطني من 105 مقاعد في 2021 إلى 90 مقعداً في الدورة الحالية، حقق التجمع الوطني الديمقراطي أكبر قفزة نسبية بين الأحزاب الكبرى، مرتفعاً من 57 إلى 73 مقعداً. جبهة المستقبل بدورها واصلت صعودها، من 48 مقعداً إلى 59، فيما سجلت حركة مجتمع السلم أكبر تراجع بين الأحزاب المشاركة، إذ هبط عدد مقاعدها من 64 إلى 43 فقط. حركة البناء الوطني، من جهتها، حافظت على وزن شبه ثابت بانتقالها من 40 إلى 38 مقعداً.

هذه الحركية بين الأحزاب الخمسة الكبرى لا تخفي حقيقة أعمق: مجتمعة، تستحوذ هذه التشكيلات على أكثر من ثلاثة أرباع مقاعد المجلس الشعبي الوطني، في وقت توزعت فيه بقية المقاعد على نحو 18 حزباً صغيراً وقوائم مستقلة، من دون أن يتمكن أي منها من تشكيل كتلة معارضة قادرة على التأثير في موازين القوى داخل القبة.

انهيار المستقلين: من العلامة البارزة إلى هامش محدود

أبرز التحولات في نتائج 2026 لم يطل الأحزاب الحزبية بقدر ما طال القوائم المستقلة. فبعدما شكّلت هذه القوائم القوة الثانية في برلمان 2021 بحصولها على 78 مقعداً، تراجعت حصتها هذه المرة إلى 32 مقعداً فقط، منها 30 داخل الوطن ومقعدان في دوائر الخارج. هذا الانحسار الحاد يعكس، بحسب متابعين للشأن الانتخابي، تأثير قواعد الترشح الجديدة على الفاعلين خارج الأطر الحزبية التقليدية، أكثر مما يعكس تراجعاً في الإقبال على هذا الخيار من جانب الناخبين أنفسهم.

في المقابل، دخلت تشكيلة سياسية جديدة نسبياً، هي “صوت الشعب”، إلى المجلس بـ17 مقعداً، بينما عاد حزب جبهة القوى الاشتراكية إلى قبة البرلمان بـ12 مقعداً بعد سنوات من غيابه أو ضعف تمثيله. أما بقية الساحة السياسية، من التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (4 مقاعد) إلى حزب العمال وجيل جديد (3 مقاعد لكل منهما)، فبقيت حاضرة رمزياً أكثر منها فاعلة عددياً، في مشهد وصفت به أنيّة نفسها أن 23 حزباً سياسياً باتت ممثلة في المجلس الجديد، من دون أن يترجم هذا التعدد الشكلي إلى ثقل تشريعي فعلي.

على الصعيد التركيبي، أفرزت النتائج مجلساً يضم 312 نائباً من حملة الشهادات الجامعية و128 نائباً من فئة الشباب، في حين لم يتجاوز عدد النائبات المنتخبات 23 امرأة من أصل 407 مقعداً، وهو رقم يثير تساؤلات حول أثر إلغاء آلية الحصة النسائية الإلزامية التي كانت معمولاً بها قبل تعديل القانون الانتخابي لعام 2021.

المادة 200 وجدل تحييد المرشحين قبل صناديق الاقتراع

قبل الوصول إلى مرحلة التصويت، شهدت عملية دراسة ملفات الترشح جدلاً واسعاً حول تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات، المتعلقة بشروط الأهلية والنزاهة المالية للمترشحين. فبحسب تتبع إعلامي لمسار الطعون، ارتفع عدد الملفات المستبعدة تدريجياً من نحو 60 حالة في نهاية مايو/أيار إلى ما يقارب 300 مترشح مع اقتراب موعد الاقتراع، شملت قوائم حزبية وأخرى حرة على حد سواء.

من بين الحالات التي أثارت أصداء واسعة، استبعاد قائمة التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في العاصمة، والتي ضمت صحافيين معروفين، إضافة إلى استبعاد عدد من مترشحي حزب جيل جديد داخل الوطن وخارجه. اعتبرت هذه الأحزاب أن أسباب الرفض المرتبطة باكتتابات الناخبين أو بشبهات غير موثقة تمثل قيداً إدارياً يمس بمبدأ التعددية، في حين قدّمت السلطة الانتخابية هذا الإجراء بوصفه أداة لتعزيز الشفافية ومكافحة المال الفاسد في العملية الانتخابية. هذا التباين في القراءة يجعل من المادة 200 أحد أكثر عناصر استحقاق 2026 إثارة للنقاش القانوني والسياسي معاً، بصرف النظر عن نتائجه النهائية.

صوت الجالية: تمثيل أوسع لم يبدّل حسابات المشاركة

على خلاف الدورات السابقة، شهدت هذه الانتخابات توسيعاً في تمثيل الجالية الجزائرية بالخارج، إذ ارتفع عدد المقاعد المخصصة لها من ثمانية إلى 12 مقعداً، موزعة على ثماني دوائر جغرافية حدّدها مرسوم تنفيذي صدر في مايو/أيار 2026. وتستأثر فرنسا وحدها، بوصفها البلد الذي يقيم فيه العدد الأكبر من أفراد الجالية، بثلاث دوائر من أصل الثماني وستة مقاعد من أصل الاثني عشر.

غير أن توسيع التمثيل لم ينعكس على مستوى المشاركة الفعلية. فمن أصل 854,285 ناخباً مسجلاً في الخارج، لم يصوّت سوى 91,810 ناخب، أي بنسبة لم تتجاوز 10.75%، وهي أدنى من نسبة المشاركة المسجلة داخل الوطن نفسها. هذا الفارق يضع الرهان الرسمي على تعزيز اندماج الجالية في المسار الديمقراطي أمام اختبار عملي لم تحسمه بعد زيادة عدد المقاعد وحدها.

سبع سنوات بعد الحراك: اختبار الثقة لا يزال مؤجلاً

انطلق الحراك الشعبي في فبراير/شباط 2019، وأفضى بعد شهرين إلى استقالة الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة. غير أن الحركة الاحتجاجية بدأت تخفت تدريجياً ابتداءً من مارس/آذار 2020، مع منع التجمعات الذي بررته السلطات آنذاك بجائحة كوفيد-19، وسجن عدد من الوجوه البارزة للاحتجاج. انتُخب الرئيس عبد المجيد تبون في ديسمبر/كانون الأول 2019، ثم أُعيد انتخابه لعهدة ثانية في 2024، في حين لا تزال منظمات حقوقية تنتقد ما تصفه بتضييق مستمر على الحيز العام منذ انحسار زخم الحراك.

في مسار موازٍ، صادق البرلمان الجزائري في 25 مارس/آذار 2026 على تعديل دستوري ينقل تدريجياً مهمة تنظيم الاستحقاقات الانتخابية من السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات إلى إدارات وزارة الداخلية، وهو تحول من المرجح أن ينطبق على الاستحقاقات المقبلة أكثر من انطباقه على تشريعيات 2 يوليو. وتترقب الساحة السياسية بالفعل موعداً انتخابياً جديداً قبل نهاية 2026، مخصصاً لتجديد المجالس المحلية، وهو ما سيشكل محطة إضافية لقياس ما إذا كانت المؤسسات المنتخبة قادرة على استعادة جزء من الثقة التي تآكلت على مدى سبع دورات انتخابية متتالية منذ 2019.


المصادر

  1. فرانس 24 عربي (بالاعتماد على وكالة فرانس برس) – “عزوف الناخبين يطغى على الانتخابات التشريعية الجزائرية والمشاركة تبلغ 20.79 بالمئة تقريباً” – 3 يوليو 2026 – www.france24.com/ar – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  2. TSA (tsa-algerie.com) – “Législatives en Algérie : le FLN en tête, percée du RND, le MSP recule” – 6 يوليو 2026 – www.tsa-algerie.com – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  3. الجزيرة نت – “أضعف نسبة مشاركة.. جبهة التحرير تتصدر نتائج الانتخابات التشريعية بالجزائر” – 6 يوليو 2026 – www.aljazeera.net – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  4. إرم نيوز – “300 مرشح خارج السباق.. المادة 200 تعصف بالانتخابات التشريعية في الجزائر” – 2 يونيو 2026 – www.eremnews.com – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  5. صحيفة السهل (lesahel.org) – “تشريعيات 2026 في الجزائر: أنيّة تعلن النتائج المؤقتة” – 6 يوليو 2026 – www.lesahel.org – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  6. مونت كارلو الدولية / وكالة فرانس برس – “جبهة التحرير الجزائرية تتصدر الانتخابات التشريعية في ظل مشاركة متدنية” – 6 يوليو 2026 – www.mc-doualiya.com – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026

ليلى منصور

ليلى منصور
ليلى منصورhttps://alahrar.net/
ليلى منصور صحفية عربية تهتم بقضايا المجتمع وحقوق الإنسان والمرأة والهجرة والتحولات الاجتماعية في المنطقة العربية. تركز في عملها على القصص الإنسانية والموضوعات التي تعكس أثر السياسات العامة في الحياة اليومية للمواطنين. تكتب بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والاهتمام بالشهادات الميدانية، وتسعى إلى تقديم القضايا الاجتماعية بعيداً عن الأحكام المسبقة والتناول السطحي
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر شهرة