الرئيسيةالأخبارالعالم العربيالتضخم يعود للضغط على المصريين: لماذا ترتفع الأسعار رغم برامج الإصلاح؟

التضخم يعود للضغط على المصريين: لماذا ترتفع الأسعار رغم برامج الإصلاح؟

تراجع معدل التضخم العام في مصر إلى 12.2% خلال يونيو 2026، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في الوقت الذي ارتفع فيه التضخم الأساسي الذي يحسبه البنك المركزي إلى 14.3% خلال الشهر نفسه. هذا التباين بين مؤشرين رسميين يختصر مفارقة تعيشها الأسر المصرية منذ أشهر: تحسّن ملموس في الأرقام الكلية، مقابل ضغط متواصل على ميزانية البيت.

تدخل القاهرة السنة المالية 2026-2027 وسط تباين واضح بين خطاب رسمي يتحدث عن استقرار اقتصادي متزايد وواقع يومي مختلف بالنسبة لملايين المصريين. فمنذ مطلع يوليو الجاري، رفعت الحكومة أسعار تذاكر القطارات بنسب تراوحت بين 12.5% و25%، ورفعت أسعار الكهرباء المخصصة للأنشطة كثيفة الاستهلاك بنحو 20%، في أعقاب موجة سابقة من زيادات أسعار الوقود ارتبطت باندلاع الحرب على إيران. تندرج هذه القرارات ضمن برنامج إصلاح اقتصادي موقّع مع صندوق النقد الدولي منذ ديسمبر 2022 ووُسّع لاحقا إلى 8 مليارات دولار في مارس 2024.

فجوة بين مؤشرين: التضخم العام يتراجع والأساسي يرتفع

لم يسلك التضخم المصري مسارا خطيا هذا العام. فبعدما سجل 11.9% في يناير 2026، قفز إلى 13.4% في فبراير ثم إلى 15.2% في مارس، وهو أسرع ارتفاع شهري تسجله البلاد منذ سنوات، قبل أن يتراجع تدريجيا إلى 13% في مايو ثم 12.2% في يونيو. وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، جاء التراجع الأخير مدفوعا أساسا بانخفاض أسعار اللحوم والدواجن بنسبة 6.4% والخضروات بنسبة 12.1% خلال الشهر.

غير أن هذا التحسن في المؤشر العام لا يعكس الصورة الكاملة. فالتضخم الأساسي، الذي يستبعد السلع شديدة التقلب كالغذاء الطازج، واصل ارتفاعه ليبلغ 14.3% في يونيو مقابل 13.8% في مايو، بحسب بيانات البنك المركزي المصري. وتشير بيانات سابقة صادرة عن الجهاز المركزي إلى أن بنود الإسكان والمرافق ارتفعت بنسبة 31.7% خلال فبراير مقارنة بالعام السابق، بينما سجلت أسعار النقل ارتفاعا بلغ 27.5% في الفترة ذاتها. هذه الفروق بين البنود تفسر جزءا كبيرا من الفجوة بين ما تقوله الأرقام الرسمية وما تختبره الأسرة المصرية شهريا.

بداية السنة المالية الجديدة تجلب موجة أسعار في الطاقة والنقل

يشكل الأول من يوليو نقطة تحول فعلية في سياسة الدعم المصرية. فقد كشف مصدر في وزارة المالية، بحسب موقع “المنصة”، أن الحكومة تعتزم إلغاء الدعم عن معظم منتجات الكهرباء والبترول خلال السنة المالية 2026-2027، باستثناء السولار وغاز الطهي المنزلي. وخصصت الموازنة الحالية 150 مليار جنيه للدعم الطاقي، مقسّمة بالتساوي بين الكهرباء والمشتقات البترولية، بعدما خُفّض بند دعم الوقود وحده بأكثر من النصف مقارنة بالعام السابق.

ترتبط هذه الخطوات بمفاوضات جارية مع صندوق النقد الدولي حول المراجعتين السابعة والثامنة لبرنامج التسهيل الممدد. وسبق للحكومة أن رفعت أسعار الوقود مرتين خلال عام واحد، في أبريل ثم أكتوبر، قبل أن تتعهد وزارة البترول بتجميد الأسعار لمدة عام. غير أن اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران، ثم توسعها لتشمل الولايات المتحدة، أعاد خلط الأوراق: فقد ارتفعت أسعار مشتقات الوقود من بنزين وسولار وغاز منزلي بدرجة ملحوظة، تبعتها زيادات في أسعار الخبز واللحوم والمواصلات العامة ومواد البناء والإنترنت وإيجارات السكن.

الجنيه يستقر لكن فاتورة الدين الخارجي تتضخم

على عكس موجات التضخم الحاد التي شهدتها مصر بين 2022 و2023، حين بلغ التضخم العام ذروة عند 38% في سبتمبر 2023 إثر تعويم متكرر للجنيه، يبدو سعر الصرف اليوم أكثر استقرارا نسبيا، مع تحسّن في احتياطيات النقد الأجنبي التي ارتفعت من 54.9 مليار دولار في ديسمبر 2024 إلى نحو 59.2 مليار دولار في ديسمبر 2025، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي.

غير أن هذا الاستقرار لا يخفي تفاقم عبء الدين الخارجي. فقد بلغ إجمالي الدين الخارجي المصري نحو 161.2 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بحسب البنك المركزي المصري، مقارنة بنحو 46 مليار دولار قبل عقد من الزمن فقط. وارتفعت نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 44.5% بنهاية مارس 2025، مقابل 38.8% في يونيو 2024. أما خدمة الدين، فقد استهلكت وحدها نحو 50.2% من إنفاق الحكومة المصرية في موازنة 2025-2026، بحسب تقديرات نقلتها قناة “الحرة” عن البنك الدولي، وهو ما ينعكس مباشرة على مساحة الإنفاق المتاحة للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. كما رفع البنك المركزي تقديره لفجوة التمويل الخارجي للسنة المالية 2025-2026 من 5.2 مليار دولار إلى 8.2 مليار دولار، معزيا ذلك إلى تداعيات عدم الاستقرار الإقليمي.

صندوق النقد يجدد الثقة بشروط تمس الدعم والإنفاق العام

أنجزت مصر في فبراير 2026 المراجعتين الخامسة والسادسة من برنامج التسهيل الممدد مع صندوق النقد، إلى جانب المراجعة الأولى لتسهيل المرونة والاستدامة، ما أتاح للحكومة سحب نحو 2.3 مليار دولار، بحسب وكالة “بلومبرغ”. ويربط الصندوق استمرار الدعم المالي بشروط واضحة: تسريع إصلاح دعم الطاقة، والحفاظ على انضباط مالي عبر تحقيق فائض أولي، وتعزيز مرونة سعر الصرف، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد لصالح القطاع الخاص.

ويشير الصندوق في تقريره الأخير إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.4% خلال السنة المالية 2024-2025، وتراجع عجز الحساب الجاري إلى 4.2% من الناتج، مدعوما بتحويلات المصريين في الخارج وعائدات السياحة. ليس التناقض هنا بين أرقام متضاربة، بل في أن مؤشر التضخم يقيس متوسط سلة استهلاكية واسعة، بينما تدفع الأسرة المصرية فاتورتها وفق البنود التي ترتفع أسرع من هذا المتوسط: الكهرباء والنقل والإيجار تحديدا.

حين لا تنعكس الأرقام الكلية على مائدة الأسرة المصرية

يبلغ آخر معدل فقر رسمي معلن في مصر 32.5%، وفق بيانات تعود إلى عام 2019-2020، إذ توقف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء منذ ذلك الحين عن نشر تقرير الدخل والإنفاق الذي يحدّث هذا الرقم. ويرى باحثون اقتصاديون، من بينهم مصطفى شافعي من “أرابيا أونلاين للأوراق المالية”، أن جزءا من أزمة الأسعار في مصر لا يرتبط مباشرة بسعر الصرف أو الدعم الحكومي، بل بتعدد حلقات الوسطاء داخل السوق المحلية، حيث تمر السلعة بعدة أطراف قبل وصولها للمستهلك، ما يضيف هوامش ربح وتكاليف نقل وتخزين متراكمة في كل مرحلة.

تبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بموعدين محددين: مراجعة إضافية لبرنامج صندوق النقد يُنتظر أن تتم خلال الأشهر المقبلة، وتقرير نهائي عن تنفيذ خطة إصلاح ملكية الدولة مقرر تسليمه بحلول نهاية سبتمبر 2026. إلى ذلك الحين، سيستمر المصريون في قياس نجاح برنامج الإصلاح بمقياس مختلف عن ذلك الذي يعتمده صندوق النقد: سعر ربطة الخبز وفاتورة الكهرباء الشهرية.


المصادر

  1. Egypt Today – Egypt’s inflation slows to 12.2% in June (بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء) – 9 يوليو 2026
    https://www.egypttoday.com/Article/3/148253/Egypt%E2%80%99s-inflation-slows-to-12-2-in-June – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  2. Arab Finance – Egypt’s annual core inflation hit 14.3% in June: CBE – يوليو 2026
    https://www.arabfinance.com/en/news/newdetails/egypt-annual-core-inflation-in-june-2026 – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  3. صندوق النقد الدولي – IMF Country Report No. 26/69, Arab Republic of Egypt
    https://www.imf.org/-/media/files/publications/cr/2026/english/1egyea2026001.pdf – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  4. Bloomberg – Egypt Unlocks Around $2.3 Billion in IMF Funding After Reviews – 26 فبراير 2026
    https://www.bloomberg.com/news/articles/2026-02-26/egypt-unlocks-around-2-3-billion-in-imf-funding-after-reviews – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  5. Al Manassa – Egypt to lift electricity, fuel subsidies in FY2026-27
    https://manassa.news/en/news/29350 – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026
  6. Ahram Online – Egypt central bank raises 2026 external debt service forecast by $1.3 bln
    https://english.ahram.org.eg/News/556567.aspx – تاريخ الاطلاع: 14 يوليو 2026

سارة خليل

سارة خليل
سارة خليلhttps://alahrar.net/
سارة خليل صحفية متخصصة في العلوم والتكنولوجيا والصحة العامة. تهتم بتبسيط القضايا العلمية المعقدة وشرح أثر الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في حياة الأفراد والمجتمعات. تتابع كذلك موضوعات الأبحاث الطبية والصحة النفسية والأمن السيبراني، مع الحرص على الاستناد إلى المصادر الموثوقة وتقديم المعلومات بلغة واضحة ومفهومة لغير المتخصصين.
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_img

الأكثر شهرة