لماذا هذا مهم؟
يمكن النظر إلى الاقتصاد الجزائري في 2026 بطريقتين مختلفتين. الأولى تبدأ من النمو: الاقتصاد واصل التوسع في 2025، والاستثمار بقي قويا، ويتوقع صندوق النقد الدولي استمرار نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2026. أما الثانية فتبدأ من التوازنات التي تسمح باستمرار هذا النمو: عجز الميزانية ما يزال مرتفعا، والدين العمومي ازداد، والواردات ضغطت على الحسابات الخارجية، فيما تبقى الإيرادات والصادرات شديدة التأثر بالمحروقات وأسعارها.
ولا تتناقض الصورتان. فالاقتصاد يستطيع أن ينمو في الوقت نفسه الذي تتراجع فيه بعض هوامش الأمان المالية والخارجية. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم ينمو الاقتصاد الجزائري؟ بل أيضا: كيف يُموَّل هذا النمو، وما مدى قدرته على الاستمرار؟
ويضع هذا التحليل الحالة الجزائرية ضمن السياق الأوسع الذي يتابعه ملف الأحرار حول الاقتصاد العالمي، حيث تؤثر أسعار الطاقة والتجارة والفائدة والديون في هامش حركة الاقتصادات العربية.

اقتصاد الجزائر في دقيقة
| الرقم | ماذا يعني؟ |
|---|---|
| 3.8% | نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع في 2026 |
| 10.5% من الناتج | عجز الميزانية المقدر في 2025 |
| 52.1% من الناتج | الدين العمومي المقدر في 2025 |
| 45.2 مليار دولار | صادرات المحروقات المسجلة في 2024 |
| 48.3 مليار دولار | واردات السلع التي كان تقرير صندوق النقد لعام 2025 يتوقعها لعام 2025 |
| -1.1% من الناتج | رصيد الحساب الجاري في 2024، قبل تدهوره بصورة كبيرة في 2025 |
| 67.8 مليار دولار | الاحتياطات الرسمية الإجمالية في نهاية 2024، قبل التراجع الكبير الذي سجله صندوق النقد في 2025 |
ملاحظة منهجية: لا تنتمي الأرقام السبعة إلى سنة واحدة، ولا ينبغي تقديمها على هذا الأساس. بعضها بيانات فعلية لعام 2024، وبعضها تقديرات أولية لعام 2025، وبعضها توقعات لعام 2026. والهدف من جمعها هو تفسير الاتجاه الذي يتحرك فيه الاقتصاد، مع تحديد سنة كل مؤشر ومصدره.
1. 3.8%: الاقتصاد لا يزال ينمو بقوة
يبدأ الجانب الإيجابي من الصورة برقم 3.8%. ففي ختام بعثته إلى الجزائر في يونيو 2026، قدّر صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد الجزائري حقق نموا بنحو 3.9% في 2025، مدفوعا خصوصا بمستوى مهم من الاستثمار، رغم أن نمو قطاع المحروقات بقي محدودا.
ويتوقع الصندوق أن يبقى النمو قويا نسبيا عند 3.8% في 2026. وهذه نقطة مهمة، لأن الاقتصاد لا يعتمد في هذه المرحلة على توسع قوي في إنتاج المحروقات وحده. لكن النمو لا يخبرنا وحده عن جودة الوضع الاقتصادي؛ إذ يمكن لدولة أن تحقق نموا مرتفعا لأنها تنفق وتستثمر بكثافة، بينما يؤدي حجم الإنفاق نفسه إلى زيادة العجز والحاجة إلى التمويل.
2. 10.5%: عجز الميزانية يغيّر قراءة النمو
يقدّر صندوق النقد الدولي أن عجز الميزانية الجزائرية انخفض في 2025 إلى 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي. كلمة «انخفض» مهمة، لكنها قد تكون مضللة إذا قرئت وحدها، فعجز يعادل أكثر من عُشر الناتج المحلي يبقى كبيرا.
ويشير الصندوق إلى أن تحسن العجز في 2025 استفاد من ارتفاع الإيرادات خارج المحروقات، ولكنه استفاد أيضا من توزيعات استثنائية كبيرة من المؤسسات العمومية وبنك الجزائر. والتحسن الناتج عن إيرادات استثنائية لا يعادل بالضرورة تحسنا هيكليا يمكن تكراره كل سنة.
ماذا يعني عجز بـ10.5%؟
بصورة مبسطة، عندما تكون نفقات الدولة أكبر من إيراداتها، عليها تمويل الفارق. وكلما استمر هذا الفارق واتسع، ازدادت الحاجة إلى الاقتراض أو إلى أشكال أخرى من التمويل. ولهذا يحذر صندوق النقد من استمرار العجز الكبير، ويدعو إلى تعبئة مزيد من الإيرادات خارج المحروقات، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة الإنفاق والاستثمار العمومي، وإصلاح الدعم والتحويلات مع حماية الأسر الأكثر هشاشة.
3. 52.1%: الدين العمومي يرتفع
أدت الاحتياجات الكبيرة للتمويل إلى ارتفاع الدين العمومي إلى نحو 52.1% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، بحسب تقديرات بعثة صندوق النقد الدولي. لكن نسبة الدين تحتاج هي الأخرى إلى تفسير.
فالقول إن الدين يعادل 52.1% من الناتج لا يعني أن الدولة مطالبة بتسديد نصف اقتصاد البلاد دفعة واحدة. إنها نسبة تقارن رصيد الدين بحجم الاقتصاد المنتج خلال سنة، وتستخدم لقياس حجم المديونية وقدرة الاقتصاد على تحملها. المشكلة الأساسية هنا ليست الرقم منفردا، بل مساره.
وأشار صندوق النقد في يوليو 2026 أيضا إلى زيادة تمويل الحكومة من البنك المركزي، محذرا من أن الاعتماد المستمر على التمويل النقدي قد يهدد استقرار الأسعار ومصداقية السياسة الاقتصادية. والعلاقة بين الرقمين الثاني والثالث مباشرة: عجز مرتفع لفترة طويلة يعني احتياجات تمويل أكبر وضغطا متزايدا على الدين.
4. 45.2 مليار دولار: المحروقات ما تزال في قلب المعادلة
لفهم المالية العمومية والحسابات الخارجية معا، يجب العودة إلى النفط والغاز. بلغت صادرات الجزائر من المحروقات، وفق البيانات التي اعتمدها تقرير صندوق النقد لعام 2025، نحو 45.2 مليار دولار في 2024، بعدما بلغت نحو 50.5 مليار دولار في 2023. أي أن قيمتها انخفضت بنحو 5.3 مليارات دولار في سنة واحدة.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد الجزائري لم يحقق نموا؛ بل يكشف لماذا يمكن للنمو والتوازن الخارجي أن يسيرا في اتجاهين مختلفين. فالنفط والغاز لا يمثلان مجرد قطاع اقتصادي إضافي، إذ تؤثر عائداتهما في الصادرات والعملات الأجنبية والحساب الجاري والاحتياطات وإيرادات الدولة والقدرة على تمويل الإنفاق والاستثمار.
وتتابع الأحرار هذه العلاقة بين أسعار الطاقة والاقتصادات المصدرة ضمن ملف أزمة الطاقة العالمية.
5. 48.3 مليار دولار: لماذا ارتفعت الواردات؟
قدّر تقرير صندوق النقد المنشور في 2025 واردات السلع الجزائرية بنحو 45.3 مليار دولار في 2024، وكان يتوقع ارتفاعها إلى 48.3 مليار دولار في 2025. لكن من الضروري عدم التعامل مع 48.3 مليار دولار باعتبارها نتيجة نهائية مثبتة لعام 2025؛ فهي توقع سابق.
المعلومة الأحدث والأكثر صلابة تأتي من بعثة صندوق النقد في يوليو 2026: الواردات ارتفعت بقوة خلال 2025، وجزء من هذا الارتفاع ارتبط بالاستثمارات العمومية الكبيرة.
وهنا يجب تجنب قراءة اقتصادية مبسطة تقول إن ارتفاع الواردات سيئ بالضرورة. هناك فرق بين استيراد سلع استهلاكية لا تخلق قدرة إنتاجية جديدة، وبين استيراد معدات وآلات وتجهيزات تدخل في مشاريع استثمارية يمكن أن تزيد الإنتاج مستقبلا. لكن في الحالتين، هناك أثر فوري مشترك: الحاجة إلى العملات الأجنبية لدفع ثمن السلع القادمة من الخارج.
6. -1.1%: من فائض الحساب الجاري إلى العجز
الحساب الجاري واحد من المؤشرات التي تبدو تقنية، لكنه يروي قصة الاقتصاد الجزائري بصورة واضحة. بصورة مبسطة، يسجل الحساب الجاري تعاملات البلاد الاقتصادية الرئيسية مع الخارج، بما فيها تجارة السلع والخدمات والدخول والتحويلات.
في 2022 سجلت الجزائر فائضا في الحساب الجاري يعادل نحو 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وفي 2023 تقلص الفائض إلى نحو 2.4%. وفي 2024 انقلب إلى عجز يعادل نحو 1.1% من الناتج.
أما بعثة صندوق النقد في يوليو 2026 فلا تعطي رقما نهائيا جديدا يمكن استخدامه بأمان هنا لعام 2025، لكنها تقول بوضوح إن الحساب الجاري تدهور بصورة كبيرة خلال 2025، وتحدد سببين رئيسيين: ارتفاع الواردات نتيجة الاستثمارات العمومية الكبيرة، وانخفاض صادرات المحروقات.
ويتوقع صندوق النقد أن يتقلص عجز الحساب الجاري في 2026، مستفيدا من ارتفاع أسعار المحروقات وانخفاض الواردات، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن استمرار الاختلالات على المدى المتوسط سيؤدي إلى استنزاف تدريجي للهوامش الخارجية.
7. 67.8 مليار دولار: الاحتياطات هي شبكة الأمان
بلغت الاحتياطات الرسمية الإجمالية للجزائر نحو 67.8 مليار دولار في نهاية 2024، بحسب تقرير صندوق النقد لعام 2025، وكانت تعادل حينها نحو 14 شهرا من واردات السلع والخدمات للسنة التالية وفق منهجية التقرير.
وتشكل الاحتياطات من العملات الأجنبية إحدى أهم شبكات الأمان للاقتصاد، لأنها تساعد البلاد على تمويل وارداتها ومواجهة الصدمات الخارجية والوفاء بالتزاماتها بالعملات الأجنبية.
لكن بيان بعثة صندوق النقد الصادر في يوليو 2026 يكشف تطورا مهما: الاحتياطات الدولية انخفضت بصورة كبيرة خلال 2025. وكان تقرير 2025 قد توقع تراجعها إلى 59.4 مليار دولار في 2025، لكن بما أن هذا الرقم كان توقعا سابقا وليس حصيلة نهائية منشورة في بيان بعثة 2026، فلا ينبغي تقديمه على أنه الرقم النهائي المؤكد لنهاية 2025.
ماذا تقول الأرقام السبعة مجتمعة؟
إذا نظرنا إلى كل مؤشر بمفرده، نحصل على صور متناقضة: 3.8% نموا متوقعا يعطي صورة إيجابية، بينما يشير عجز بـ10.5% ودين عند 52.1% إلى ضغط مالي متزايد. وتظل صادرات المحروقات موردا خارجيا قويا لكنه متقلب، في حين يضغط ارتفاع الواردات على العملات الأجنبية، ويكشف تدهور الحساب الجاري وتراجع الاحتياطات عن تقلص بعض هوامش الأمان.
الجزائر لا تواجه مشكلة نمو بقدر ما تواجه سؤال استدامة هذا النمو
وهذا قريب من جوهر تشخيص بعثة صندوق النقد لعام 2026. فالآفاق قصيرة الأجل ما تزال «إيجابية عموما»، خصوصا مع ارتفاع أسعار المحروقات ودعمها للصادرات والإيرادات العامة. لكن الهوامش المالية والخارجية تآكلت. وإذا بقي العجز مرتفعا لسنوات، فمن المتوقع أن يستمر الدين في الارتفاع وتتراجع الاحتياطات تدريجيا، حتى لو ظل الاقتصاد يسجل نموا.
هل يعني ذلك أن الجزائر تتجه إلى أزمة؟
لا تسمح البيانات الحالية بهذا الاستنتاج، ولا يقول صندوق النقد إن الجزائر تمر بأزمة اقتصادية. بل يؤكد أن الآفاق القريبة تبقى إيجابية بصورة عامة. لكنه يحدد بوضوح مجموعة من المخاطر: تقلب أسعار المحروقات، واستمرار العجز المالي الكبير، والترابط القوي بين الدولة والمؤسسات العمومية والبنوك العمومية، إضافة إلى مخاطر الاعتماد المستمر على التمويل النقدي.
والتمييز هنا ضروري بين الخطر والأزمة. الخطر يعني وجود اختلال يمكن أن يصبح أكثر صعوبة إذا استمر أو تعرض الاقتصاد لصدمة؛ أما الأزمة فتعني تحقق اضطراب اقتصادي حاد بالفعل. المعطيات المتاحة تدعم التشخيص الأول، لا الثاني.
أين تكمن فرصة الجزائر؟
الأرقام نفسها تكشف أيضا عن هامش للتحرك. فالجزائر تمتلك موارد طاقة مهمة، وموقعا جغرافيا استراتيجيا بين أوروبا وأفريقيا، واستثمارات عمومية كبيرة، واقتصادا ما يزال يسجل نموا قويا نسبيا.
ويشير صندوق النقد إلى جهود التنويع الجارية، خصوصا في المناجم والزراعة، ويرى أن موارد الطاقة والموقع الجغرافي يمكن أن يعززا دور الجزائر في أسواق الطاقة الأوروبية والأفريقية. لكن الانتقال إلى نمو أكثر استدامة يتطلب، وفق توصيات الصندوق، توسيع دور الاستثمار الخاص، وتحسين مناخ الأعمال، وتقليص الحواجز التنظيمية والتجارية، وتحسين كفاءة الاستثمار العمومي، وتوسيع الإيرادات خارج قطاع المحروقات.
ماذا سيشعر به المواطن؟
الأرقام الكلية لا تنتقل آليا إلى الحياة اليومية. نمو الناتج المحلي الإجمالي لا يعني بالضرورة ارتفاع دخل كل أسرة، كما أن انخفاض الاحتياطات لا يعني تلقائيا نقص السلع أو تراجع مستوى المعيشة.
لكن استمرار الاختلالات يمكن أن يؤثر مع الوقت في القرارات التي تمس المواطن. فعجز الميزانية يطرح أسئلة حول قدرة الدولة على تمويل الإنفاق والاستثمار والدعم. والتضخم يؤثر مباشرة في القوة الشرائية. والضغط على العملات الأجنبية يمكن أن يؤثر في تكلفة الواردات. أما إصلاح الدعم أو الضرائب، إذا تقرر، فيمكن أن تكون له آثار مختلفة بين الفئات الاجتماعية.
ولهذا يشدد صندوق النقد نفسه، عند الدعوة إلى إصلاح الدعم والتحويلات، على ضرورة توفير دعم موجه للأسر الأكثر هشاشة.
الخلاصة: النمو جيد، لكن السؤال هو ما بعد النمو
تقدم الأرقام السبعة قراءة أكثر تعقيدا من الحكم على الاقتصاد الجزائري بأنه «جيد» أو «سيئ». هناك نمو حقيقي واستثمار مرتفع وآفاق قصيرة الأجل ما تزال إيجابية. وفي المقابل، هناك عجز مالي كبير، ودين متزايد، وحساب خارجي تعرض لضغط، واحتياطات انخفضت خلال 2025.
أما المحروقات فما تزال في مركز المعادلة: عندما ترتفع أسعارها، تتحسن في الوقت نفسه قدرة الجزائر على التصدير والإنفاق وتكوين الاحتياطات؛ وعندما تتراجع، تظهر نقاط الضعف بصورة أسرع.
لذلك فإن الاختبار الاقتصادي الحقيقي للجزائر لن يكون تحقيق 3.8% من النمو في 2026 وحده، بل معرفة ما إذا كان هذا النمو قادرا، خلال السنوات المقبلة، على إنتاج اقتصاد أكثر تنوعا، وزيادة الاستثمار المنتج خارج المحروقات، وخلق موارد مالية أقل ارتباطا بالطاقة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القوة الشرائية والحماية الاجتماعية.
النمو يخبرنا بأن الاقتصاد يتحرك. أما العجز والدين والحساب الجاري والاحتياطات، فتخبرنا إلى أي مدى يمكنه الاستمرار في هذا الاتجاه.
منهجية ومصادر
يعتمد هذا المقال أساسا على بيان بعثة صندوق النقد الدولي الخاصة بمشاورات المادة الرابعة لعام 2026، الصادر في 6 يوليو 2026 بعد زيارة الجزائر بين 16 و30 يونيو. وتوضح المؤسسة أن هذه النتائج أولية وتعبر عن رأي فريق البعثة، على أن يُعد التقرير الكامل ويُعرض لاحقا على المجلس التنفيذي للصندوق.
واستخدم المقال أيضا الجداول التفصيلية لتقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 لتوفير السلاسل التاريخية الخاصة بصادرات المحروقات والواردات والحساب الجاري والاحتياطات. وعندما تكون قيمة ما في تقرير 2025 توقعا لعام 2025 أو 2026 وليست نتيجة فعلية، يذكر المقال ذلك صراحة ولا يعاملها باعتبارها رقما نهائيا.
- صندوق النقد الدولي — بعثة مشاورات المادة الرابعة للجزائر لعام 2026، 6 يوليو 2026.
- صندوق النقد الدولي — تقرير مشاورات المادة الرابعة للجزائر لعام 2025 والجداول الاقتصادية والمالية.
ليلى منصور



